الشنقيطي

26

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

تَذَكَّرُونَ ( 57 ) [ الأعراف : 57 ] وقوله فَانْظُرْ إِلى آثارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ ذلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتى وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 50 ) [ الروم : 50 ] وقوله تعالى فَأَحْيَيْنا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها كَذلِكَ النُّشُورُ ( 9 ) [ فاطر : 9 ] وقوله تعالى فَأَنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذلِكَ تُخْرَجُونَ ( 11 ) [ الزخرف : 11 ] ومن ذلك قوله هنا وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ بدليل قوله بعده : قوله تعالى : ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتى - إلى قوله - وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ ( 7 ) [ 6 - 7 ] . قوله تعالى : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ ( 8 ) ثانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَذابَ الْحَرِيقِ ( 9 ) [ 8 - 9 ] . قال بعض أهل العلم : الآية الأولى التي هي وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ ( 3 ) نازلة في الأتباع الجهلة الذين يجادلون بغير علم ، اتباعا لرؤسائهم ، من شياطين الإنس والجن ، وهذه الآية الأخيرة في الرؤساء الدعاة إلى الضلال المتبوعين في ذلك ، ويدل لهذا أنه قال في الأولى وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ وقال في هذه ثانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فتبين بذلك أنه مضل لغيره ، متبوع في الكفر والضلال ، على قراءة الجمهور بضم ياء يضل . وأما على قراءة ابن كثير ، وأبي عمرو : بفتح الياء ، فليس في الآية دليل على ذلك ، وقد قدمنا معنى جدال الكفرة في اللّه بغير علم ، فأغنى عن إعادته هنا . وقال بعض العلماء في قوله في هذه الآية الكريمة بِغَيْرِ عِلْمٍ أي بدون علم ضروري ، حاصل لهم بما يجادلون به وَلا هُدىً أي استدلال ، ونظر عقلي ، يهتدي به العقل للصواب وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ ( 8 ) أي وحي نير واضح ، يعلم به ما يجادل به ، فليس عنده علم ضروري ولا علم مكتسب بالنظر الصحيح العقلي ، ولا علم من وحي ، فهو جاهل محض من جميع الجهات ، وقوله ثانِيَ عِطْفِهِ حال من ضمير الفاعل المستكن في : يجادل : أي يخاصم بالباطل في حال كونه ثاني عطفه : أي لاوي عنقه عن قبول الحق استكبارا وإعراضا . فقوله : ثاني اسم فاعل ثنى الشيء إذا لواه ، وأصل العطف الجانب ، وعطفا الرجل : جانباه من لدن رأسه إلى وركيه ، تقول العرب : ثنى فلان عنك عطفه : تعني أعرض عنك ؛ وإنما عبر العلماء هنا بالعنق فقالوا : ثاني عطفه : لاوي عنقه : مع أن العطف يشمل العنق وغيرها ، لأن أول ما يظهر فيه الصدود عنق الإنسان ، يلويها ، ويصرف وجهه عن الشيء بليها . والمفسرون يقولون : إن اللام في قوله لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ونحوها من الآيات مما لم تظهر فيه العلة الغائية ، كقوله فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً [ القصص : 8 ] الآية . ونحو ذلك لام العاقبة ، والبلاغيون يزعمون أن في ذلك استعارة تبعية ، في معنى الحرف . وقد وعدنا بإيضاح ذلك في سورة القصص .