الشنقيطي

15

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

وغير المخلقة من نعت المضغة ، والنطفة بعد مصيرها مضغة لم يبق لها حتى تصير خلقا سويا إلا التصوير . وذلك هو المراد بقوله مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ خلقا سويا ، وغير مخلقة : بأن تلقيه الأم مضغة ولا تصوير ، ولا ينفخ الروح . انتهى منه . وهذا القول الذي اختاره ابن جرير ، اختاره أيضا غير واحد من أهل العلم . قال مقيده عفا اللّه عنه وغفر له : هذا القول الذي اختاره الإمام الجليل الطبري رحمه اللّه تعالى ، لا يظهر صوابه ، وفي نفس الآية الكريمة قرينة تدل على ذلك وهي قوله جل وعلا في أول الآية فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ لأنه على القول المذكور الذي اختاره الطبري يصير المعنى : ثم خلقناكم من مضغة مخلقة ، وخلقناكم من مضغة غير مخلقة . وخطاب الناس بأن اللّه خلق بعضهم من مضغة غير مصورة ، فيه من التناقض ، كما ترى فافهم . فإن قيل : في نفس الآية الكريمة قرينة تدل على أن المراد بغير المخلقة : السقط ، لأن قوله وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحامِ ما نَشاءُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى يفهم منه أن هناك قسما آخر لا يقره اللّه في الأرحام ، إلى ذلك الأجل المسمى ، وهو السقط . فالجواب : أنه لا يتعين فهم السقط من الآية ، لأن اللّه يقر في الأرحام ما يشاء أن يقره إلى أجل مسمى ، فقد يقره ستة أشهر ، وقد يقره تسعة ، وقد يقره أكثر من ذلك كيف شاء . أما السقط : فقد دلت الآية على أنه غير مراد بدليل قوله فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ الآية ، لأن السقط الذي تلقيه أمه ميتا ، ولو بعد التشكيل والتخطيط ، لم يخلق اللّه منه إنسانا واحدا من المخاطبين بقوله فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ الآية . فظاهر القرآن يقتضي أن كلا من المخلقة ، وغير المخلقة : يخلق منه بعض المخاطبين في قوله يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ الآية . وبذلك تعلم أن أولى الأقوال في الآية ، هو القول الذي لا تناقض فيه ، لأن القرآن أنزل ليصدق بعضه بعضا ، لا ليتناقض بعضه مع بعض ، وذلك هو القول الذي قدمنا عن قتادة والضحاك ، وقد اقتصر عليه الزمخشري في الكشاف ولم يحك غيره : وهو أن المخلقة : هي التامة ، وغير المخلقة : هي غير التامة . قال الزمخشري في الكشاف : والمخلقة المسواة الملساء من النقصان والعيب ، يقال : خلق السواك والعود : إذا سواه وملسه . من قولهم صخرة خلقاء ، إذا كانت ملساء ، كأن اللّه تعالى يخلق المضغ متفاوتة . منها : ما هو كامل الخلقة أملس من العيوب . ومنها : ما هو على عكس ذلك ، فيتبع ذلك التفاوت تفاوت الناس في خلقهم وصورهم وطولهم وقصرهم وتمامهم ونقصانهم . انتهى منه . وهذا المعنى الذي ذكره الزمخشري معروف في كلام العرب ، تقول العرب : حجر