الشنقيطي
16
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
أخلق : أي أملس مصمت لا يؤثر فيه شيء ، وصخرة خلقاء بينة الخلق : أي ليس فيها وصم ، ولا كسر ، ومنه قول الأعشى : قد يترك في خلقاء راسية * وهيا وينزل منها الأعصم الصّدعا والدهر في البيت : فاعل يترك ، والمفعول به : وهيا . يعني : أن صرف الدهر قد يؤثر في الحجارة الصم السالمة من الكسر والوصم ، فيكسرها ، ويوهيها ، ويؤثر في العصم من الأوعال برؤوس الجبال ، فينزلها من معاقلها ، ومن ذلك أيضا قول ابن أحمر يصف فرسا ، وقد أنشده صاحب اللسان للمعنى المذكور : بمقلّص درك الطريدة متنه * كصفا الخليقة بالفضاء الملبّد فقوله : كصفا الخليقة ، يعني : أن متن الفرس المذكور كالصخرة الملساء التي لا كسر فيها ، ولا وصم ، وهو من إضافة الموصوف إلى صفته . والسهم المخلق : هو الأملس المستوي . قال مقيده عفا اللّه عنه وغفر له : وهذا القول هو أولى الأقوال بالصواب فيما يظهر لي لجريانه على اللغة التي نزل بها القرآن وسلامته من التناقض ، واللّه جل وعلا أعلم . وقوله جل وعلا في هذه الآية الكريمة لِنُبَيِّنَ لَكُمْ : أي لنبين لكم بهذا النقل من طور إلى طور ، كمال قدرتنا على البعث بعد الموت ، وعلى كل شيء ، لأن من قدر على خلق البشر من تراب أولا ، ثم من نطفة ثانيا ، مع ما بين النطفة والتراب من المنافاة والمغايرة وقدر على أن يجعل النطفة علقة ، مع ما بينهما من التباين والتغاير ، وقدر على أن يجعل العلقة مضغة ، والمضغة عظاما ، فهو قادر بلا شك على إعادة ما بدأه من الخلق ، كما هو واضح وقوله لِنُبَيِّنَ الظاهر أنه متعلق بخلقناكم ، في قوله يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ الآية : أي خلقناكم خلقا من بعد خلق على التدريج المذكور : لنبين لكم قدرتنا على البعث وغيره . وقال الزمخشري مبينا نكتة حذف مفعول : لنبين لكم ما نصه : وورود الفعل غير معدي إلى المبين إعلام بأن أفعاله هذه يتبين بها من قدرته وعلمه ما لا يكتنهه بالذكر ، ولا يحيط به الوصف . انتهى منه . وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحامِ ما نَشاءُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى أي نقر في أرحام الأمهات ما نشاء إقراره فيها ، من الأحمال ، والأجنة إلى أجل مسمى : أي معلوم معين في علمنا ، وهو الوقت الذي قدره اللّه لوضع الجنين ، والأجنة تختلف في ذلك حسبما يشاؤه اللّه جل وعلا ، فتارة تضعه أمه لستة أشهر ، وتارة لتسعة ، وتارة لأكثر من ذلك . وما لم يشأ اللّه إقراره من الحمل مجته الأرحام وأسقطته ، ووجه رفع : ونقر أن المعنى : ونحن