الشنقيطي
14
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الطور الثالث : العلقة : وهي القطعة من العلق ، وهو الدم الجامد فقوله ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ أي قطعة دم جامدة ، ومن إطلاق العلق على الدم المذكور قول زهير : إليك أعملتها فتلا مرافقها * شهرين يجهض من أرحامها العلق الطور الرابع : المضغة : وهي القطعة الصغيرة من اللحم ، على قدر ما يمضغه الآكل ، ومنه قوله صلى اللّه عليه وسلم « إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله » « 1 » الحديث . وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ في معناه أوجه معروفة عند العلماء ، سنذكرها هنا إن شاء اللّه ، ونبين ما يقتضي الدليل رجحانه . منها أن قوله مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ صفة للنطفة وأن المخلقة : هي ما كان خلقا سويا ، وغير المخلقة : هي ما دفعته الأرحام من النطف ، وألقته قبل أن يكون خلقا ، وممن روي عنه هذا القول عبد اللّه بن مسعود رضي اللّه عنه نقله عنه ابن جرير « 2 » وغيره ، ولا يخفى بعد هذا القول ، لأن المخلقة وغير المخلقة من صفة المضغة ، كما هو ظاهر . ومنها : أن معنى مخلقة : تامة ، وغير مخلقة : أي غير تامة ، والمراد بهذا القول عند قائله : أن اللّه جل وعلا يخلق المضغ متفاوتة ، منها : ما هو كامل الخلقة ، سالم من العيوب ، ومنها : ما هو على عكس ذلك ، فيتبع ذلك التفاوت تفاوت الناس ، في خلقهم ، وصورهم ، وطولهم . وقصرهم ، وتمامهم ، ونقصانهم . وممن روى عنه هذا القول : قتادة كما نقله عنه ابن جرير وغيره ، وعزاه الرازي لقتادة والضحاك . ومنها : أن معنى مخلقة مصورة إنسانا ، وغير مخلقة : أي غير مصورة إنسانا كالسقط الذي هو مضغة ، ولم يجعل له تخطيط وتشكيل ، وممن نقل عنه هذا القول ، مجاهد ، والشعبي ، وأبو العالية كما نقله عنهم ابن جرير الطبري . ومنها : أن المخلقة : هي ما ولد حيا ، وغير المخلقة : هي ما كان من سقط . وممن روى عنه هذا القول : ابن عباس رضي اللّه عنهما . وقال صاحب الدر المنثور : إنه أخرجه عنه ابن أبي حاتم وصححه ونقله عنه القرطبي وأنشد لذلك قول الشاعر : أفي غير المخلّقة البكاء * فأين الحزم ويحك والحياء وقال أبو جعفر بن جرير رحمه اللّه تعالى : وأولى الأقوال في ذلك بالصواب ، قول من قال : المخلقة : المصورة خلقا تاما . وغير المخلقة : السقط قبل تمام خلقه ، لأن المخلقة ،
--> ( 1 ) . أخرجه عن النعمان بن بشير : البخاري في الإيمان حديث 52 ، ومسلم في المساقاة حديث 107 ، وابن ماجة في الفتن حديث 3984 ، والدارمي في البيوع باب في الحلال بيّن والحرام بيّن . ( 2 ) . أخرجه عن ابن مسعود ابن جرير الطبري في جامع البيان 17 / 90 .