الشنقيطي
13
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ ( 79 ) [ يس : 79 ] وقوله تعالى كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنا إِنَّا كُنَّا فاعِلِينَ ( 104 ) [ الأنبياء : 104 ] وقوله فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ [ الإسراء : 51 ] وقوله تعالى أَ فَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ ( 15 ) [ ق : 15 ] وقوله تعالى وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى فَلَوْ لا تَذَكَّرُونَ [ الواقعة : 62 ] وقوله أَ لَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى ( 37 ) إلى قوله أَ لَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى ( 40 ) [ القيامة : 37 - 40 ] والآيات بمثل ذلك كثيرة جدا ، وقد أوضحنا ذلك في مواضع متعددة إن هذا الكتاب المبارك في سورة البقرة ، وسورة النحل ، وغيرهما ، ولأجل قوة دلالة هذا البرهان المذكور على البعث بين جل وعلا أن من أنكر البعث فهو ناس للإيجاد الأول كقوله وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ [ يس : 78 ] الآية ، إذ لو تذكر الإيجاد الأول ، على الحقيقة ، لما أمكنه إنكار الإيجاد الثاني ، وكقوله وَيَقُولُ الْإِنْسانُ أَ إِذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا ( 66 ) أَ وَلا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً ( 67 ) [ مريم : 66 - 67 ] إذ لو تذكر ذلك تذكرا حقيقيا لما أنكر الخلق الثاني ، وقوله في هذه الآية الكريمة إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ أي في شك من أن اللّه يبعث الأموات ، فالريب في القرآن يراد به الشك ، وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ قد قدمنا في سورة طه : أن التحقيق في معنى خلقه للناس من تراب ، أنه خلق أباهم آدم منها ، ثم خلق منه زوجه ، ثم خلقهم منهما عن طريق التناسل ، كما قال تعالى إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ [ آل عمران : 59 ] الآية ، فلما كان أصلهم الأول من تراب ، أطلق عليهم أنه خلقهم من تراب ؛ لأن الفروع تبع للأصل . وقد بينا في طه أيضا أن قول من زعم أن معنى خلقه إياهم من تراب : أنه خلقهم من النطف ، والنطف من الأغذية ، والأغذية راجعة إلى التراب غير صحيح ، وقد بينا هناك الآيات الدالة على بطلان هذا القول . وقد ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أطوار خلق الإنسان ، فبين أن ابتداء خلقه من تراب كما أوضحنا آنفا ، فالتراب هو الطور الأول . والطور الثاني هو النطفة ، والنطفة في اللغة : الماء القليل ، ومنه قول الشاعر وهو رجل من بني كلاب : وما عليك إذا أخبرتني دنفا * وغاب بعلك يوما أن تعوديني وتجعلي نطفة في القعب باردة * وتغمسي فاك فيها ثم تسقيني فقوله : وتجعلي نطفة : أي ماء قليلا في العقب ، والمراد بالنطفة في هذه الآية الكريمة : نطفة المني ، وقد قدمنا في سورة النحل : أن النطفة مختلطة من ماء الرجل ، وماء المرأة ، خلافا لمن زعم : أنها من ماء الرجل وحده .