الشنقيطي
12
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة وَيَهْدِيهِ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ ( 4 ) يدل على أن الهدى كما أنه يستعمل في الإرشاد والدلالة على الخير ، يستعمل أيضا في الدلالة على الشر ، لأنه قال : وَيَهْدِيهِ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ ( 4 ) ونظير في ذلك القرآن قوله تعالى فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ ( 23 ) [ الصافات : 23 ] وقوله تعالى وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ [ القصص : 41 ] الآية لأن الإمام هو من يقتدى به في هديه وإرشاده . وإطلاق الهدى في الضلال كما ذكرنا أسلوب عربي معروف وكلام البلاغيين في مثل ذلك ، بأن فيه استعارة عنادية ، وتقسيمهم العنادية إلى تهكمية وتمليحية ، معروف كما أشار إليه سابقا وقوله تعالى كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ ( 3 ) قد أوضحنا معنى الشيطان في سورة الحجر ، والمريد والمارد في اللغة العربية : العاتي ، تقول : مرد الرجل بالضم يمرد ، فهو مارد ، ومريد إذا كان عاتيا . والظاهر أن الشيطان في هذه الآية ، يشمل كل عات يدعو إلى عذاب السعير ، ويضل عن الهدى ، سواء كان من شياطين الجن أو الإنس ، واللّه تعالى أعلم . قوله تعالى : يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحامِ ما نَشاءُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً [ 5 ] . هذه الآية الكريمة والآيات التي بعدها ، تدل على أن جدال الكفار المذكور في قوله وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ [ لقمان : 20 ] يدخل فيه جدالهم في إنكار البعث ، زاعمين أنه جل وعلا لا يقدر أن يحيي العظام الرميم ، سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا ، كما قال تعالى وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ ( 78 ) [ يس : 78 ] وكقوله تعالى عنهم وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ ( 29 ) [ الأنعام : 29 ] وَما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ ( 35 ) [ الدخان : 35 ] ونحو ذلك من الآيات كما قدمنا الإشارة إليه قريبا . ولأجل ذلك أقام تعالى البراهين العظيمة على بعث الناس من قبورهم أحياء إلى عرصات القيامة للحساب ، والجزاء فقال جل وعلا يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ فمن أوجدكم الإيجاد الأول ، وخلقكم من التراب لا شك أنه قادر على إيجادكم ، وخلقكم مرة ثانية ، بعد أن بليت عظامكم ، واختلطت بالتراب ، لأن الإعادة لا يمكن أن تكون أصعب من ابتداء الفعل ، وهذا البرهان القاطع على القدرة على البعث : الذي هو خلقه تعالى للخلائق المرة الأولى المذكور هنا ، جاء موضحا في آيات كثيرة كقوله وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ [ الروم : 27 ] الآية وقوله قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي