الشنقيطي

11

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

[ الأنعام : 25 ] والآيات بمثل ذلك كثيرة ، وما ذكره اللّه جل وعلا في هذه الآية الكريمة ، من أنه قدر وقضى أن من تولّى الشيطان ، فإن الشيطان يضله ويهديه إلى عذاب السعير ، بينه في غير هذا الموضع كقوله تعالى : إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحابِ السَّعِيرِ ( 6 ) [ فاطر : 6 ] وقوله تعالى : أَ وَلَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُوهُمْ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ ( 21 ) [ لقمان : 21 ] وقوله تعالى عن نبيه وخليله إبراهيم : يا أَبَتِ إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ وَلِيًّا ( 45 ) [ مريم : 45 ] وقوله تعالى : وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُواتِ الشَّيْطانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ [ النور : 21 ] إلى غير ذلك من الآيات . واعلم أنه يفهم من دليل خطاب هذه الآية الكريمة ، أعني مفهوم مخالفتها : أنه من يجادل بعلم على ضوء هدى كتاب منير ، كهذا القرآن العظيم ، ليحق الحق ، ويبطل الباطل بتلك المجادلة الحسنة أن ذلك سائغ محمود لأن مفهوم قوله بِغَيْرِ عِلْمٍ [ الحج : 8 ] أنه إن كان بعلم ، فالأمر بخلاف ذلك ، وليس في ذلك اتباع للشيطان ، ويدل لهذا المفهوم المذكور قوله تعالى ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [ النحل : 125 ] وقوله تعالى * وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [ العنكبوت : 46 ] . وقال الفخر الرازي في تفسيره : هذه الآية بمفهومها تدل على جواز المجادلة الحقة ، لأن تخصيص المجادلة مع عدم العلم بالدلائل ، يدل على أن المجادلة مع العلم جائزة ، فالمجادلة الباطلة : هي المراد من قوله ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا [ الزخرف : 58 ] والمجادلة الحقة هي المراد من قوله وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [ النحل : 125 ] ا ه . منه . وقوله تعالى في هذه الآية عَذابِ السَّعِيرِ ( 4 ) يعني عذاب النار ، فالسعير النار أعاذنا اللّه ، وإخواننا المسلمين منها . والظاهر أن أصل السعير : فعيل ، بمعنى : مفعول من قول العرب : سعر النار ، يسعرها كمنع يمنع إذا أوقدها ، وكذلك سعرها بالتضعيف ، وعلى لغة التضعيف والتخفيف القراءتان السبعيتان في قوله وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ ( 12 ) [ التكوير : 12 ] فقد قرأه من السبعة نافع وابن عامر في رواية ابن ذكوان ، وعاصم في رواية حفص : سعرت بتشديد العين وقرأه الباقون بتخفيف العين ، ومما جرى من كلام العرب على نحو قراءة نافع ، وابن ذكوان ، وحفص قول بعض شعراء الحماسة : قالت له عرسه يوما لتسمعني * مهلا فإنّ لنا في أمّنا أربا ولو رأتني في نار مسعّرة * ثم استطاعت لزادت فوقها حطبا إذ لا يخفى أن قوله : مسعرة : اسم مفعول سعرت بالتضعيف ، وبما ذكرنا يظهر أن أصل السعير : فعيل بمعنى اسم المفعول : أي النار المسعرة : أي الموقدة إيقادا شديدا لأنها بشدة الإيقاد يزداد حرها عياذا باللّه منها ، ومن كل ما قرب إليها من قول وعمل ، وفي ذلك لغة ثالثة ، إلا أنها ليست في القرآن : وهي أسعر النار بصيغة أفعل ، بمعنى : أوقدها .