الشنقيطي
89
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن ( الملحق ) ( دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب ومنع جواز المجاز في المنزل المتعبد والإعجاز )
تعالى : إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقابِ [ ص : 14 ] . ومن الأدلة الصريحة في ذلك تصريحه تعالى بأن قوله : لا يبدل فيما أوعد به أهل النار حيث قال : لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ ( 28 ) ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [ ق : 28 - 29 ] . ويستأنس لذلك بظاهر قوله تعالى وَاخْشَوْا يَوْماً لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ وَلَدِهِ - إلى قوله - إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وقوله إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ [ الطور : 7 ] فالظاهر أن الوعيد الذي يجوز إخلافه وعيد عصاة المؤمنين لأن اللّه بين ذلك بقوله : وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ [ النساء : 48 ] . فإذا تبين بهذه النصوص بطلان جميع هذه الأقسام تعين القسم الخامس الذي هو خلودهم فيها أبدا بلا انقطاع ولا تخفيف بالتقسيم والسبر الصحيح . ولا غرابة في ذلك لأن خبثهم الطبيعي دائم لا يزول ، فكان جزاؤهم دائما لا يزول والدليل على أن خبثهم لا يزول قوله تعالى وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ [ الأنفال : 23 ] . فقوله خيرا نكرة في سياق الشرط فهي تعم ، فلو كان فيهم خير ما في وقت ما لعلمه اللّه وقوله تعالى : وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ [ الأنعام : 28 ] وعودهم بعد معاينة العذاب ، لا يستغرب بعده عودهم بعد مباشرة العذاب لأن رؤية العذاب عيانا كالوقوع فيه لا سيما وقد قال تعالى : فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ [ ق : 22 ] وقال : أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا [ مريم : 38 ] الآية . وعذاب الكفار للإهانة والانتقام لا للتطهير والتمحيص ، كما أشار له تعالى بقوله : وَلا يُزَكِّيهِمْ [ آل عمران : 77 ] وبقوله وَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ [ آل عمران : 178 ] والعلم عند اللّه تعالى . قوله تعالى : سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ [ 148 ] الآية . هذا الكلام الذي قالوه بالنظر إلى ذاته كلام صدق لا شك فيه لأن اللّه لو شاء لم يشركوا به شيئا ، ولم يحرموا شيئا مما لم يحرمه كالبحائر والسوائب . وقد قال تعالى وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكُوا [ الأنعام : 107 ] وقال وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ