الشنقيطي
90
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن ( الملحق ) ( دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب ومنع جواز المجاز في المنزل المتعبد والإعجاز )
نَفْسٍ هُداها [ السجدة : 13 ] وإذا كان هذا الكلام الذي قاله الكفار حقا فما وجه تكذيبه تعالى لهم بقوله كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذاقُوا بَأْسَنا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ [ الأنعام : 148 ] ، ونظير هذا الإشكال بعينه في سورة الزخرف في قوله تعالى : وَقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ ما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ [ الزخرف : 20 ] . والجواب : أن هذا الكلام الذي قاله الكفار كلام حق أريد به باطل فتكذيب اللّه لهم واقع على باطلهم الذي قصدوه بهذا الكلام الحق وإيضاحه : أن مرادهم أنهم لما كان كفرهم وعصيانهم بمشيئة اللّه وأنه لو شاء لمنعهم من ذلك فعدم منعه لهم دليل على رضاه بفعلهم فكذبهم اللّه في ذلك مبينا أنه لا يرضى بكفرهم كما نص عليه بقوله : وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ [ الزمر : 7 ] فالكفار زعموا أن الإرادة الكونية يلزمها الرضى ، وهو زعم باطل بل اللّه يريد بإرادته الكونية ما لا يرضاه بدليل قوله خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ [ البقرة : 7 ] مع قوله وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ والذي يلازم الرضى حقا إنما هو الإرادة الشرعية . والعلم عند اللّه تعالى . قوله تعالى : * قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ [ 151 ] الآية . هذه الآية تدل على أن هذا الذي يتلوه عليهم حرمه ربهم عليهم ، فيوهم أن معنى قوله أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً [ الأنعام : 151 ] أن الإحسان بالوالدين وعدم الشرك حرام ، والواقع خلاف ذلك ، كما هو ضروري . وفي هذه الآية الكريمة كلام كثير للعلماء ، وبحوث ومناقشات كثيرة لا تتسع هذه العجالة لاستيعابها منها أنها صلة كما يأتي ، ومنها أنها بمعنى أبينه لكم لئلا تشركوا . ومن أطاع الشيطان مستحلا فهو بشرك بدليل قوله وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ [ الأنعام : 121 ] . ومنها : أن الكلام تم عند قوله : حرم ربكم ، وأن قوله عليكم ألا تشركوا : اسم فعل يتعلق بما بعده على أنه معموله منها غير ذلك ، وأقرب تلك الوجوه عندنا هو ما دل عليه القرآن لأن خير ما يفسر به القرآن القرآن ، وذلك هو أن قوله تعالى : أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ مضمن معنى ما وصاكم ربكم به تركا وفعلا ، وإنما قلنا إن القرآن دل على هذا لأن اللّه رفع هذا الإشكال وبين مراده بقوله ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ