الشنقيطي

75

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن ( الملحق ) ( دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب ومنع جواز المجاز في المنزل المتعبد والإعجاز )

وعبد الرحمن بن أبي ليلى والنخعي وعبيد اللّه بن يزيد ومرة الهمداني ومالك والثوري وأبو حنيفة وأحمد وإسحاق . وقال ابن كثير في تفسير قوله : وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ [ المائدة : 5 ] . وأما المجوس فإنهم وإن أخذت منهم الجزية تبعا وإلحاقا لأهل الكتاب فإنهم لا تؤكل ذبائحهم ولا تنكح نساؤهم خلافا لأبي ثور إبراهيم بن خالد الكلبي أحد الفقهاء من أصحاب الشافعي وأحمد بن حنبل . ولما قال ذلك واشتهر عنه أنكر عنه الفقهاء حتى قال عنه الإمام أحمد أبو ثور كاسمه يعني في هذه المسألة وكأنه تمسك بعموم حديث روي مرسلا عن النّبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « سنوا بهم سنة أهل الكتاب » « 1 » ، ولكن لم يثبت بهذا اللفظ . وإنما الذي في صحيح البخاري عن عبد الرحمن بن عوف أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أخذ الجزية من مجوس هجر « 2 » . ولو سلم صحة هذا الحديث فعمومه مخصوص بمفهوم هذه الآية وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ [ المائدة : 5 ] فدل بمفهومه مفهوم المخالفة على أن طعام من عداهم من أهل الأديان لا يحل . انتهى كلام ابن كثير بلفظه واعترض عليه في الحاشية الشيخ السيد محمد رشيد رضا بما نصه فيه : أن هذا مفهوم لقب وهو ليس بحجة . قال مقيده عفا اللّه عنه : الصواب مع الحافظ ابن كثير رحمه اللّه تعالى ، واعتراض الشيخ عليه سهو منه ، لأن مفهوم قوله الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ [ المائدة : 5 ] مفهوم علة لا مفهوم لقب ، كما ظنه الشيخ لأن مفهوم اللقب في اصطلاح الأصوليين هو ما علق فيه الحكم باسم جامد سواء كان اسم جنس أو اسم عين أو اسم جمع . وضابطه أنه هو الذي ذكر ليمكن الإسناد إليه فقط لاشتماله على صفة تقتضي تخصيصه بالذكر دون غيره . أما تعليق هذا الحكم الذي هو إباحة طعامهم بالوصف بإيتاء الكتاب فهو تعليق الحكم بعلته لأن الوصف بإيتاء الكتاب صالح لأن يكون مناط الحكم بحلية طعامهم . وقد دل المسلك الثالث من مسالك العلة المعروف بالإيماء والتنبيه على أن مناط حلية طعامهم هو إيتاؤهم الكتاب وذلك بعينه هو المناط لحلية نكاح نسائهم ، لأن ترتيب الحكم بحلية طعامهم ونسائهم على إيتائهم الكتاب لو لم يكن لأنه علته لما كان في

--> ( 1 ) أخرجه عن عبد الرحمن بن عوف ، ابن أبي شيبة في الجهاد حديث 12697 . ( 2 ) أخرجه البخاري في الجزية حديث 3157 .