الشنقيطي
55
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن ( الملحق ) ( دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب ومنع جواز المجاز في المنزل المتعبد والإعجاز )
فالاستثناء ليس راجعا للجملة الأخيرة التي يليها أعني : لَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ . لأنه لَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ كلا ولم ينجح من ذلك قليل ولا كثير حتى يخرج بالاستثناء . واختلف العلماء في مرجع هذا الاستثناء فقيل راجع لقوله أذاعوا به . وقيل راجع لقوله لعلمه الذين يستنبطونه منهم ، وإذا لم يرجع للجملة التي تليها فلا يكون نصا في رجوعه لغيرها وقيل إن هذا الاستثناء راجع للجملة التي يليها . وعليه فالمعنى : ولولا فضل اللّه عليكم ورحمته بإرسال محمد صلى اللّه عليه وسلم لاتبعتم الشيطان في ملة آبائكم من الكفر وعبادة الأوثان إلا قليلا . كمن كان على ملة إبراهيم كورقة بن نوفل وزيد بن نفيل وقس بن ساعدة وأضرابهم وذكر ابن كثير أن عبد الرزاق روى عن معمر عن قتادة في قوله لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلَّا قَلِيلًا أن معناه لاتبعتم الشيطان كلا . قال : والعرب تطلق القلة وتريد بها العدم . واستدل قائل هذا القول بقول الطرماح بن حكيم يمدح يزيد بن المهلب : أشم ندى كثير النوادي * قليل المثالب والقادحه يعني لا مثلبة فيه ولا قادحة . قال مقيده عفا اللّه عنه : إطلاق القلة وإرادة العدم كثيرة في كلام العرب ومنه قول الشاعر : أنيخت فألقت بلدة فوق بلدة * قليل بها الأصوات إلا بغامها يعني أنه لا صوت في تلك الفلاة غير بغام راحلته . وقول الآخر : فما بأس لو ردت علينا تحية * قليلا لدى من يعرف الحق عليها يعني لا عاب فيها عند من يعرف الحق . وعلى هذين القولين الأخيرين فلا شاهد في الآية . وبهذا التحقيق الذي حررنا يرد استدلال داود الظاهري بهذه الآية الأخيرة أيضا . والعلم عند اللّه تعالى . قوله تعالى : فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ [ 25 ] . هذه الآية تدل على أن الإماء إذا زنين جلدن خمسين جلدة وقد جاءت آية أخرى تدل بعمومها : على أن كل زانية تجلد مائة جلدة . وهي قوله تعالى الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ