الشنقيطي

56

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن ( الملحق ) ( دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب ومنع جواز المجاز في المنزل المتعبد والإعجاز )

واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ [ النور : 2 ] والجواب ظاهر . وهو أن هذه الآية مخصصة لآية النور ، لأنه لا يتعارض عام وخاص . قوله تعالى : يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [ 26 ] . هذه الآية تدل بظاهرها على أن شرع من قبلنا شرع لنا . ونظيرها قوله تعالى : أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ [ الأنعام : 90 ] . وقد جاءت آية أخرى تدل على خلاف ذلك هي قوله تعالى : لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً [ المائدة : 48 ] الآية . ووجه الجمع بين ذلك مختلف فيه اختلافا مبينا على الاختلاف في حكم هذه المسألة . فجمهور العلماء على أن شرع من قبلنا إن ثبت بشرعنا فهو شرع لنا ما لم يدل دليل من شرعنا على نسخه ، لأنه ما ذكر لنا في شرعنا إلا لأجل الاعتبار والعمل . وعلى هذا القول فوجه الجمع بين الآيتين من معنى قوله : لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً . إن شرائع الرسل ربما ينسخ في بعضها حكم كان في غيرها أو يزاد في بعضها حكم لم يكن في غيرها . فالشرعة إذن إما بزيادة أحكام لم تكن مشروعة قبل وإما بنسخ شيء كان مشروعا قبل ، فتكون الآية لا دليل فيها على أن ما ثبت بشرعنا أنه كان شرعا لمن قبلنا . ولم ينسخ أنه ليس من شرعنا لأن زيادة ما لم يكن قبل أو نسخ ما كان من قبل كلاهما ليس من محل النزاع . وأما على قول الشافعي ومن وافقه : أن شرع من قبلنا ليس شرعا لنا إلا بنص من شرعنا أنه مشروع لنا . فوجه الجمع أن المراد بسنن من قبلنا وبالهدى في قوله : أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ [ الأنعام : 90 ] أصول الدين التي هي التوحيد لا الفروع العلمية بدليل قوله تعالى : لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً الآية . ولكن هذا الجمع الذي ذهبت إليه الشافعية يرد عليه ما رواه البخاري في صحيحه في تفسير سورة « ص » عن مجاهد أنه سأل ابن عباس من أين أخذت السجدة في « ص » فقال ابن عباس « ومن ذريته داود - أولئك الذين هدى اللّه فبهداهم اقتده » فسجدها داود فسجدها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « 1 » ، ومعلوم أن سجود التلاوة من الفروع لا من الأصول ، وقد

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في التفسير حديث 4807 .