الشنقيطي

38

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن ( الملحق ) ( دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب ومنع جواز المجاز في المنزل المتعبد والإعجاز )

هذه الآية الكريمة وأمثالها في القرآن تدل على أن إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام لم يكن مشركا يوما ما ، لأن نفي الكون الماضي في قوله وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ . يدل على استغراق النفي لجميع الزمن الماضي كما دل عليه قوله تعالى : * وَلَقَدْ آتَيْنا إِبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ [ الأنبياء : 51 ] . . الآية . وقد جاء في موضع آخر ما يوهم خلاف ذلك وهو قوله : فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغاً قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هذا رَبِّي هذا أَكْبَرُ [ الأنعام 76 - 78 ] . ومن ظن ربوبية غير اللّه فهو مشرك باللّه كما دل عليه قوله تعالى عن الكفار ، وَما يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ [ يونس : 66 ] . والجواب عن هذا من وجهين : أحدهما : أنه مناظر لا ناظر ومقصوده التسليم الجدلي : أي هذا ربي على زعمكم الباطل ، والمناظر قد يسلم المقدمة الباطلة تسليما جدليا ليفحم بذلك خصمه . فلو قال لهم إبراهيم في أول الأمر : الكوكب مخلوق لا يمكن أن يكون ربا . لقالوا له : كذبت ، بل الكوكب رب ومما يدل لكونه مناظرا لا ناظرا . قوله تعالى : وَحاجَّهُ قَوْمُهُ [ الأنعام : 80 ] . . الآية . وهذا الوجه هو الأظهر ، وما استدل به ابن جرير على أنه غير مناظر من قوله تعالى : لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ [ الأنعام : 77 ] . لا دليل فيه على التحقيق لأن الرسل يقولون مثل ذلك تواضعا وإظهارا لا لتجائهم إلى اللّه ، كقول إبراهيم وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ [ إبراهيم : 35 ] وقوله هو وإسماعيل : رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ [ البقرة : 128 ] الآية . الوجه الثاني : أن الكلام على حذف همزة الاستفهام أي : أهذا ربي ؟ وقد تقرر في علم النحو أن حذف همزة الاستفهام إذا دل المقام عليها جائز . وهو قياسي عند الأخفش مع أم ودونها ذكر الجواب أم لا ، فمن أمثلته دون أم ودون ذكر الجواب قول الكميت :