الشنقيطي

189

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن ( الملحق ) ( دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب ومنع جواز المجاز في المنزل المتعبد والإعجاز )

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم سورة الرحمن قوله تعالى : يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِنْ نارٍ وَنُحاسٌ فَلا تَنْتَصِرانِ [ 35 ] . لا يخفى ما يسبق إلى الذهن من أن إرسال شواظ النار الذي هو لهبها ، والنحاس الذي هو دخانها ، أو النحاس المذاب وعدم الانتصار ليس في شيء منه إنعام على الثقلين . وقوله لهم فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ [ الرحمن : 13 ] يفهم منه أن إرسال الشواظ والنحاس وعدم الانتصار من آلاء اللّه ، أي نعمه على الجن والإنس . والجواب من وجهين : الأول : أن تكرير فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ للتوكيد . ولم يكرره متواليا لأن تكريره بعد كل آية أحسن من تكريره متواليا ، وإذا كان للتوكيد فلا إشكال لأن المذكور منه بعد ما ليس من الآلاء مؤكد للمذكور بعد ما هو من الآلاء . الوجه الثاني : أن فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ لم تذكر إلا بعد ذكر نعمة أو موعظة أو إنذار وتخويف ، وكلها من آلاء اللّه التي لا يكذب بها إلا كافر جاحد . أما في ذكر النعمة فواضح . وأما في الموعظة ، فلأن الوعظ تلين له القلوب فتخشع وتنيب ، فالسبب الموصل إلى ذلك من أعظم النعم ، فظهر أن الوعظ من أكبر الآلاء . وأما في الإنذار والتخويف كهذه الآية ، ففيه أيضا أعظم نعمة على العبد ، لأن إنذاره في دار الدنيا من أهوال يوم القيامة ، من أعظم نعم اللّه عليه . ألا ترى أنه لو كان أمام إنسان مسافر مهلكة كبرى وهو مشرف على الوقوع فيها من غير أن يعلم بها ، فجاءه إنسان فأخبره بها وحذره عن الوقوع فيها . أن هذا يكون يدا له عنده وإحسانا يجازيه عليه جزاء أكبر الإنعام . وهذا الوجه الأخير هو مقتضى الأصول ، لأنه قد تقرر في علم الأصول أن النص إذا احتمل التوكيد والتأسيس فالأصل حمله على التأسيس لا على التوكيد ، لأن في التأسيس زيادة معنى ، ليست في التوكيد .