الشنقيطي
187
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن ( الملحق ) ( دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب ومنع جواز المجاز في المنزل المتعبد والإعجاز )
بعض المسائل من غير وحي في خصوصه ، كإذنه للمتخلفين عن غزوة تبوك قبل أن يتبين صادقهم من كاذبهم ، وكأسره لأسارى بدر ، وكأمره بترك تأبير النحل ، وكقوله : « لو استقبلت من أمري ما استدبرت » « 1 » الحديث ، إلى غير ذلك . وأن معنى قوله تعالى : وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى لا إشكال فيه لأن النّبي صلى اللّه عليه وسلم لا ينطق بشيء من أجل الهوى ولا يتكلم بالهوى . وقوله تعالى : إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى يعني أن كل ما يبلغه عن اللّه فهو وحي من اللّه لا بهوى ولا بكذب ولا افتراء . والعلم عند اللّه تعالى . قوله تعالى : وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى [ 39 ] . هذه الآية الكريمة تدل على أنه لا ينتفع أحد بعمل غيره . وقد جاءت آية أخرى تدل على أن بعض الناس ربما انتفع بعمل غيره وهي قوله تعالى : وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ [ الطور : 21 ] الآية . فرفع درجات الأولاد سواء قلنا : إنهم الكبار أو الصغار نفع حاصل لهم ، وإنما حصل لهم بعمل آبائهم لا بعمل أنفسهم . اعلم أولا أن ما روي عن ابن عباس من أن هذا كان شرعا لمن قبلنا ، فنسخ في شرعنا غير صحيح بل آية : وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ [ النجم : 39 ] محكمة ، كما أن القول بأن المراد بالإنسان خصوص الكافر ، غير صحيح أيضا . والجواب من ثلاثة أوجه : الأول : أن الآية إنما دلت على نفي ملك الإنسان لغير سعيه ، ولم تدل على نفي انتفاعه بسعي غيره ، لأنه لم يقل وإن لن ينتفع الإنسان إلا بما سعى . وإنما قال : وأن ليس للإنسان . وبين الأمرين فرق ظاهر ، لأن سعي الغير ملك لساعيه إن شاء بذله لغيره فانتفع به ذلك الغير ، وإن شاء أبقاه لنفسه . وقد أجمع العلماء على انتفاع الميت بالصلاة عليه والدعاء له والحج عنه ونحو ذلك ، مما ثبت الانتفاع بعمل الغير فيه . الثاني : أن إيمان الذرية هو السبب الأكبر في رفع درجاتهم ، إذ لو كانوا كفارا لما
--> ( 1 ) سبق تخريجه في الجزء الخامس .