الشنقيطي
186
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن ( الملحق ) ( دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب ومنع جواز المجاز في المنزل المتعبد والإعجاز )
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم سورة النجم قوله تعالى : وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى [ 3 - 4 ] . هذه الآية الكريمة تدل بظاهرها على أن النّبي صلى اللّه عليه وسلم لا يجتهد في شيء ، وقد جاءت آيات أخر تدل على أنه صلى اللّه عليه وسلم ربما اجتهد في بعض الأمور ، كما دل عليه قوله تعالى : عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ [ التوبة : 43 ] . وقوله تعالى : ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ [ الأنفال : 67 ] الآية . والجواب عن هذا من وجهين : الأول : هو الذي اقتصر عليه ابن جرير ، وصدر به ابن الحاجب في مختصره الأصولي أن معنى قوله تعالى : وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى أي في كل ما يبلغه عن اللّه ، إن هو أي كل ما يبلغه عن اللّه إلا وحي من اللّه ، لأنه لا يقول على اللّه شيئا إلا بوحي منه ، فالآية رد على الكفار حيث قالوا : إن النّبي صلى اللّه عليه وسلم افترى هذا القرآن ، كما قال ابن الحاجب . الوجه الثاني : أنه إن اجتهد ، فإنه إنما يجتهد بوحي من اللّه يأذن له به في ذلك الاجتهاد وعليه فاجتهاده بوحي فلا منافاة . ويدل لهذا الوجه أن اجتهاده في الإذن للمتخلفين عن غزوة تبوك ، أذن اللّه له فيه حيث قال : فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ [ النور : 62 ] ، فلما أذن للمنافقين عاتبه بقوله : عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكاذِبِينَ [ التوبة : 43 ] . فالاجتهاد في الحقيقة إنما هو الإذن قبل التبين لا في مطلق الإذن للنص عليه . ومسألة اجتهاد النّبي صلى اللّه عليه وسلم وعدمه من مسائل الخلاف المشهورة عند علماء الأصول ، وسبب اختلافهم هو تعارض هذه الآيات في ظاهر الأمر . قال مقيده عفا اللّه عنه : الذي يظهر أن التحقيق في هذه المسألة أنه صلى اللّه عليه وسلم ربما فعل