الشنقيطي
179
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن ( الملحق ) ( دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب ومنع جواز المجاز في المنزل المتعبد والإعجاز )
قوله تعالى : يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ [ 31 ] . هذه الآية يفهم من ظاهرها أن جزاء المطيع من الجن غفران ذنوبه وإجارته من عذاب أليم ، لا دخوله الجنة . وقد تمسك جماعة من العلماء منهم الإمام أبو حنيفة رحمه اللّه تعالى بظاهر هذه الآية فقالوا : إن المؤمنين المطيعين من الجن لا يدخلون الجنة ، مع أنه جاء في آية أخرى ما يدل على أن مؤمنيهم في الجنة وهي قوله تعالى وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ ( 46 ) [ الرحمن : 46 ] لأنه تعالى بين شموله للجن والإنس بقوله فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 25 ) [ الرحمن : 25 ] ويستأنس لهذا بقوله تعالى لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ ( 56 ) [ الرحمن : 56 ] لأنه يشير إلى أن في الجنة جنا يطمثون النساء كالإنس . والجواب عن هذا أن آية الأحقاف نص فيها على الغفران والإجارة من العذاب ، ولم يتعرض فيها لدخول الجنة بنفي ولا إثبات ، وآية الرحمن نص فيها على دخولهم الجنة لأنه تعالى قال فيها وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ . وقد تقرر في الأصول أن الموصولات من صيغ العموم ، فقوله وَلِمَنْ خافَ يعم كل خائف مقام ربه ، ثم صرح بشمول ذلك للجن والإنس معا بقوله فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ فبين أن الوعد بالجنتين لمن خاف مقام ربه من آلائه ، أي نعمة على الإنس والجن ، فلا تعارض بين الآيتين لأن إحداهما بينت ما لم تتعرض له الأخرى ، ولو سلمنا أن قوله يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ [ الأحقاف : 31 ] يفهم منه عدم دخولهم الجنة فإنه إنما يدل عليه بالمفهوم . وقوله وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ ( 46 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ [ الرحمن : 46 - 47 ] يدل على دخولهم الجنة بعموم المنطوق ، والمنطوق مقدم على المفهوم ، كما تقرر في الأصول . ولا يخفى أنا إذا أردنا تحقيق هذا المفهوم المدعى ، وجدناه معدوما من أصله للإجماع على أن قسمة المفهوم ثنائية ، إما أن يكون مفهوم موافقة أو مخالفة ولا ثالث ، ولا يدخل هذا المفهوم المدعى في شيء من أقسام المفهومين ، أما عدم دخوله في مفهوم الموافقة بقسميه فواضح . وأما عدم دخوله في شيء من أنواع مفهوم المخالفة ، فلأن عدم