الشنقيطي

180

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن ( الملحق ) ( دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب ومنع جواز المجاز في المنزل المتعبد والإعجاز )

دخوله في مفهوم الحصر أو العلة أو الغاية أو العدد أو الصفة أو الظرف واضح . فلم يبق من أنواع مفهوم المخالفة يتوهم دخوله فيه إلا مفهوم الشرط أو اللقب ، وليس داخلا في واحد منهما فظهر عدم دخوله فيه أصلا . أما وجه توهم دخوله في مفهوم الشرط فلأن قوله : يغفر لكم من ذنوبكم ، فعل مضارع مجزوم بكونه جزاء الطلب . وجمهور علماء العربية على أن الفعل إذا كان كذلك فهو مجزوم بشرط مقدر لا بالجملة قبله كما قيل به . وعلى الصحيح الذي هو مذهب الجمهور ، فتقرير المعنى : أجيبوا داعي اللّه وآمنوا به ، إن تفعلوا ذلك يغفر لكم ، فيتوهم في الآية ، مفهوم هذا الشرط المقدر . والجواب عن هذا : أن مفهوم الشرط عقد القائل به ، إنما هو في فعل الشرط لا في جزائه ، وهو معتبر هنا في فعل الشرط على عادته فمفهوم أن تجيبوا داعي اللّه وتؤمنوا به يغفر لكم أنهم إن لم يجيبوا داعي اللّه ولم يؤمنوا به لم يغفر لهم ، وهو كذلك . أما جزاء الشرط فلا مفهوم له لاحتمال أن تترتب على الشرط الواحد مشروطات كثيرة فيذكر بعضها جزاء له فلا يدل على نفي غيره . كما لو قلت لشخص مثلا إن تسرق يجب عليك غرم ما سرقت . فهذا الكلام حق ولا يدل على نفي غير الغرم كالقطع لأن قطع اليد مرتب أيضا على السرقة كالغرم . فكذلك الغفران والإجارة من العذاب ، ودخول الجنة كلها مرتبة على إجابة داعي اللّه والإيمان به ، فذكر في الآية بعضها وسكت فيها عن بعض ، ثم بين في موضع آخر . وهذا لا إشكال فيه . وأما وجه توهم دخوله في مفهوم اللقب ، فلأن اللقب في اصطلاح الأصوليين هو ما لم يمكن انتظام الكلام العربي دونه أعني المسند إليه سواء ، كان لقبا أو كنية أو اسما أو اسم جنس أو غير ذلك ، وقد أوضحنا اللقب غاية في المائدة . والجواب عن عدم دخوله في مفهوم اللقب : أن الغفران والإجارة من العذاب المدعى بالفرض أنهما لقبان لجنس مصدريهما ، وأن تخصيصهما بالذكر يدل على نفي غيرهما في الآية ، مسندان لا مسند إليهما ، بدليل أن المصدر فيهما كامن في الفعل ولا يسند إلى الفعل إجماعا ما لم يرد مجرد لفظه على سبيل الحكاية . ومفهوم اللقب عند القائل به إنما هو فيما إذا كان اللقب مسندا إليه ، لأن تخصيصه بالذكر عند القائل به يدل على اختصاص الحكم به دون غيره . وإلا لما كان للتخصيص بالذكر فائدة ، كما عللوا به مفهوم الصفة .