الشنقيطي
173
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن ( الملحق ) ( دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب ومنع جواز المجاز في المنزل المتعبد والإعجاز )
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم سورة غافر قوله تعالى : وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا [ 7 ] . هذه الآية الكريمة تدل على أن استغفار الملائكة لأهل الأرض خاص بالمؤمنين منهم ، وقد جاءت آية أخرى يدل ظاهرها على خلاف ذلك وهي قوله تعالى : وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ [ الشورى : 5 ] الآية . والجواب : أن آية غافر مخصصة لآية الشورى ، والمعنى : ويستغفرون لمن في الأرض من المؤمنين ، لوجوب تخصيص العام بالخاص . قوله تعالى : وَإِنْ يَكُ صادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ [ 28 ] . لا يخفى ما يسبق إلى الذهن في هذه الآية من توهم المنافاة بين الشرط والجزاء في البعض ، لأن المناسب لاشتراط الصدق هو أن يصيبهم جميع الذين بعدهم لا بعضه ، مع أنه تعالى لم يقل : وإن يك صادقا يصبكم كل الذي يعدكم . وأجيب عن هذا بأجوبة من أقربها عندي : أن المراد بالبعض الذي يصيبهم هو البعض العاجل الذي هو عذاب الدنيا ، لأنهم أشد خوفا من العذاب العاجل ، ولأنهم أقرب إلى التصديق بعذاب الدنيا منهم بعذاب الآخرة . ومنها : أن المعنى إن يك صادقا فلا أقل من أن يصيبكم بعض الذي يعدكم ، وعلى هذا فالنكتة المبالغة في التحذير ، لأن إذا حذرهم من إصابة البعض ، أفاد أنه مهلك مخوف ، فما بال الكل وفيه إظهار لكمال الإنصاف وعدم التعصب . ولذا قدم احتمال كونه كاذبا . ومنها : أن لفظة البعض يراد بها الكل ، وعليه فمعنى بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ كل الذي يعدكم . ومن شواهد هذا في اللغة العربية قول الشاعر : إن الأمور إذا الأحداث دبرها * دون الشيوخ ترى في بعضها خللا يعني ترى فيها خللا .