الشنقيطي
132
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن ( الملحق ) ( دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب ومنع جواز المجاز في المنزل المتعبد والإعجاز )
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم سورة طه قوله تعالى : إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها [ 15 ] . هذه الآية الكريمة يتوهم منها أنه جل وعلا لم يخفها بالفعل ولكنه قارب أن يخفيها لأن كاد فعل مقاربة . وقد جاء في آيات أخر التصريح بأنه أخفاها كقوله تعالى * وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ [ الأنعام : 59 ] . وقد ثبت عنه صلى اللّه عليه وسلم أن المراد بمفاتح الغيب الخمس المذكورة في قوله تعالى إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ [ لقمان : 34 ] الآية . وكقوله قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي [ الأعراف : 187 ] وقوله فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها ( 43 ) [ النازعات : 43 ] إلى غير ذلك من الآيات . والجواب من سبعة أوجه : الأول : وهو الراجح ، أن معنى الآية أكاد أخفيها من نفسي أي لو كان ذلك يمكن وهذا على عادة العرب ، لأن القرآن نزل بلغتهم ، والواحد منهم إذا أراد المبالغة في كتمان أمر قال : كتمته من نفسي ، أي لا أبوح لأحد . ومنه قول الشاعر : أيام تصحبني هند وأخبرها * ما كدت أكتمه عني من الخبر ونظير هذا من المبالغة قوله صلى اللّه عليه وسلم في حديث السبعة الذين يظلهم اللّه : « رجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه » « 1 » ، وهذا القول مروي عن أكثر المفسرين ، وممن قال به ابن عباس ومجاهد وقتادة وأبو صالح كما نقله عنهم ابن جرير وجعفر الصادق ، كما نقله عنه الألوسي في تفسيره . ويؤيد هذا القول أن في مصحف أبي أكاد أخفيها من نفسي . كما نقله الألوسي وغيره . وروى ابن خالويه أنها في مصحف أبي كذلك بزيادة فكيف أظهركم عليها وفي
--> ( 1 ) سبق تخريجه في الجزء الثامن .