الشنقيطي

128

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن ( الملحق ) ( دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب ومنع جواز المجاز في المنزل المتعبد والإعجاز )

وإيضاحه : هو ما ذكره ابن عبد السلام من أن معنى آية الكهف وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إلا أن اللّه أراد أن يأتيهم سنة الأولين من أنواع الهلاك في الدنيا أو يأتيهم العذاب قبلا في الآخرة ، فأخبر أنه أراد أن يصيبهم أحد الأمرين ، ولا شك أن إرادة اللّه مانعة من وقوع ما ينافي مراده ، فهذا حصر في المانع الحقيقي ، لأن اللّه هو المانع في الحقيقة . ومعنى آية سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى [ الإسراء : 1 ] أنه ما منع الناس من الإيمان إلا استغرابهم أن اللّه يبعث رسولا من البشر ، واستغرابهم لذلك ليس مانعا حقيقيا بل عاديا يجوز تخلفه فيوجد الإيمان معه بخلاف الأول فهو حقيقي لا يمكن تخلفه ، ولا وجود الإيمان معه . ذكر هذا الجمع صاحب الإتقان . والعلم عند اللّه تعالى . قوله تعالى : وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمًّا [ 97 ] الآية . هذه الآية الكريمة يدل ظاهرها على أن الكفار يبعثون يوم القيامة عميا وبكما وصما . وقد جاءت آيات أخر تدل على خلاف ذلك ، كقوله تعالى : أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا [ مريم : 38 ] وكقوله : وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُواقِعُوها [ الكهف : 53 ] ، وكقوله : رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا فَارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحاً [ السجدة : 12 ] الآية . والجواب عن هذا من أوجه : الوجه الأول : هو ما استظهره أبو حيان من كون المراد مما ذكر حقيقته ويكون ذلك في مبدأ الأمر ثم يرد اللّه تعالى إليهم أبصارهم ونطقهم وسمعهم فيرون النار ويسمعون زفيرها وينطقون بما حكى اللّه تعالى عنهم في غير موضع . الوجه الثاني : أنهم لا يرون شيئا يسرهم ، ولا يسمعون كذلك ولا ينطقون بحجة ، كما أنهم كانوا في الدنيا لا يستبصرون ولا ينطقون بالحق ولا يسمعونه ، وأخرج ذلك ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس ، وروي أيضا عن الحسن كما ذكره الألوسي في تفسيره ، فنزل ما يقولونه ويسمعونه ويبصرونه منزلة العد لعدم لانتفاع به ، كما تقدم نظيره . الوجه الثالث : أن اللّه إذا قال لهم اخسأوا فيها ولا تكلمون ، وقع بهم ذاك العمى والصم والبكم من شدة الكرب واليأس من الفرج . قال تعالى : وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِما ظَلَمُوا فَهُمْ لا يَنْطِقُونَ [ النمل : 85 ] وعلى هذا القول تكون الأحوال الثلاثة مقدرة .