الشنقيطي
129
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن ( الملحق ) ( دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب ومنع جواز المجاز في المنزل المتعبد والإعجاز )
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم سورة الكهف قوله تعالى : إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذاً أَبَداً [ 20 ] . هذه الآية تدل بظاهرها على أن المكره على الكفر لا يفلح أبدا . وقد جاءت آية أخرى تدل على أن المكره على الكفر معذور ، إذا كان قلبه مطمئنا بالإيمان ، وهي قوله تعالى : إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً [ النحل : 106 ] الآية . والجواب عن هذا من وجهين : الأول : أن رفع المؤاخذة مع الإكراه من خصائص هذه الأمة فهو داخل في قوله تعالى : وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ [ الأعراف : 157 ] ويدل لهذا قوله صلى اللّه عليه وسلم « إن اللّه تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان ، وما استكرهوا عليه » « 1 » . فهو يدل بمفهومه على خصوصه بأمته صلى اللّه عليه وسلم . وليس مفهوم لقب لأن مناط التخصيص هو اتصافه صلى اللّه عليه وسلم بالأفضلية على من قبله من الرسل ، واتصاف أمته بها على من قبلها من الأمم ، والحديث ، وإن أعله أحمد وابن أبي حاتم فقد تلقاه العلماء قديما وحديثا بالقبول ، ومن أصرح الأدلة في أن من قبلنا ليس لهم عذر بالإكراه حديث طارق بن شهاب في الذي دخل النار في ذباب قرّبه لصنم ، مع أنه قرّبه ليتخلص من شر عبدة الصنم ، وصاحبه الذي امتنع من ذلك قتلوه فعلم أنه لو لم يفعل لقتلوه كما قتلوا صاحبه ، ولا إكراه أكبر من خوف القتل ، ومع هذا دخل النار ولم ينفعه الإكراه ، وظواهر الآيات تدل على ذلك فقوله وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذاً أَبَداً . ظاهر في عدم فلاحهم مع الإكراه ، لأن قوله : يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ صريح في الإكراه ، وقوله رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا [ البقرة : 286 ] مع أنه تعالى قال : قد فعلت . كما ثبت في صحيح مسلم يدل بظاهره على أن التكليف
--> ( 1 ) سبق تخريجه في الجزأين الثاني والرابع .