الشنقيطي

127

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن ( الملحق ) ( دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب ومنع جواز المجاز في المنزل المتعبد والإعجاز )

والجواب عما قال : إن أحاديث هذا الباب منها ما هو صحيح ، كما نص على ذلك كثير من أئمة العلماء ، ومنها ما هو حسن ، ومنها ما هو ضعيف يتقوى بالصحيح والحسن ، وإذا كانت أحاديث الباب الواحد متصلة متعاضدة على هذا النمط ، أفادت الحجة عند الناظر فيها . انتهى محل الغرض بلفظه . ثم قال : إن هذا قال به جماعة من محققي العلماء والحفاظ والنقاد وما احتج به البعض لرد هذه الأحاديث من أن الآخرة دار جزاء لا دار عمل وابتلاء . فهو مردود من وجهين : الأول : أن ذلك لا ترد به النصوص الصحيحة عنه صلى اللّه عليه وسلم ، ولو سلمنا عموم ما قال : من أن الآخرة ليست دار عمل ، لكانت الأحاديث المذكورة مخصصة لذلك العموم . الثاني : أنا لا نسلم انتفاء الامتحان في عرصات المحشر ، بل نقول دل القاطع عليه لأن اللّه تعالى صرح في سورة القلم بأنهم يدعون إلى السجود في قوله جل وعلا : يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ [ القلم : 42 ] الآية . ومعلوم أن أمرهم بالسجود تكليف في عرصات المحشر ، وثبت في الصحيح أن المؤمنين يسجدون يوم القيامة وأن المنافق لا يستطيع ذلك ، ويعود ظهره كالصفيحة الواحدة ، طبقا واحدا كلما أراد السجود خرّ قفاه . وفي الصحيحين في الرجل الذي يكون آخر أهل النار خروجا منها ، أن اللّه يأخذ عهوده ومواثيقه أن لا يسأل غير ما هو فيه ويتكرر ذلك مرارا ويقول اللّه تعالى : « يا ابن آدم ما أغدرك » ثم يأذن له في دخول الجنة « 1 » ، ومعلوم أن تلك العهود والمواثيق تكليف في عرصات المحشر . والعلم عند اللّه تعالى . قوله تعالى : وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى إِلَّا أَنْ قالُوا أَ بَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَسُولًا [ 94 ] . هذه الآية يظهر تعارضها مع قوله تعالى وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ [ الكهف : 55 ] ووجه الجمع أن الحصر في آية الإسراء ، حصر في المانع العادي والحصر في آية الكهف في المانع الحقيقي .

--> ( 1 ) أخرجه عن أبي هريرة : البخاري في الرقاق حديث 6573 ، والأذان والجماعة حديث 806 ، ومسلم في الإيمان حديث 299 .