جلال الدين السيوطي

634

الإتقان في علوم القرآن

وللناس بينهما فروق : أنّ الأوّل : لم يرد شموله لجميع الأفراد ، لا من جهة تناول اللفظ ، ولا من جهة الحكم ؛ بل هو ذو أفراد استعمل في فرد منها . والثاني : أريد عمومه وشموله لجميع الأفراد ، من جهة تناول اللفظ لها ، لا من جهة الحكم . ومنها : أنّ الأوّل مجاز قطعا ، لنقل اللفظ عن موضوعه الأصليّ . بخلاف الثاني : فإنّ فيه مذاهب أصحّها أنه حقيقة ، وعليه أكثر الشافعية وكثير من الحنفية وجميع الحنابلة ، ونقله إمام الحرمين عن جميع الفقهاء . وقال الشيخ أبو حامد : إنّه مذهب الشافعيّ وأصحابه ، وصحّحه السبكيّ ؛ لأنّ تناول اللفظ للبعض الباقي بعد التخصيص كتناوله له بلا تخصيص ، وذلك التناول حقيقيّ اتفاقا ، فليكن هذا التناول حقيقيّا أيضا . ومنها : أنّ قرينة الأوّل عقلية والثاني لفظية . ومنها : أنّ قرينة الأول لا تنفك عنه ، وقرينة الثاني قد تنفكّ عنه . ومنها : أنّ الأوّل يصحّ أن يراد به واحد اتفاقا ، وفي الثاني خلاف . ومن أمثلة المراد به الخصوص « 1 » : قوله تعالى : الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ [ آل عمران : 173 ] . والقائل واحد : نعيم بن مسعود الأشجعيّ أو أعرابيّ من خزاعة ، كما أخرجه ابن مردويه من حديث أبي رافع ؛ لقيامه مقام كثير في تثبيط المؤمنين عن ملاقاة أبي سفيان « 2 » . قال الفارسيّ « 3 » : ومما يقوّي أنّ المراد به واحد قوله : إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ [ آل عمران : 175 ] . فوقعت الإشارة بقوله : ذلِكَ مَتاعُ إلى واحد بعينه ، ولو كان المعنى جمعا لقال : إنّما أولئكم الشّيطان : فهذه دلالة ظاهرة في اللفظ . ومنها : قوله تعالى : أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ [ النساء : 54 ] . أي : رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، لجمعه ما في الناس من الخصال الحميدة . ومنها : قوله : ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ [ البقرة : 199 ] . أخرج ابن

--> ( 1 ) انظر البرهان 2 / 220 . ( 2 ) انظر الدر المنثور 2 / 102 - 103 ، وسيأتي تفصيل هذا في باب المبهمات . ( 3 ) نقله الزركشي في برهانه 2 / 220 عن أبي علي الفارسي .