جلال الدين السيوطي
621
الإتقان في علوم القرآن
يستدلّ به في الحال ، والمتشابه يحتاج إلى فكرة ونظر ؛ ليحمله على الوجه المطابق . ولأنّ المحكم أصل ، والعلم بالأصل أسبق ، ولأن المحكم يعلم مفصّلا ، والمتشابه لا يعلم إلّا مجملا . وقال بعضهم « 1 » : إن قيل : ما الحكمة في إنزال المتشابه ممن أراد لعباده البيان والهدى ؟ قلنا : إن كان مما يمكن علمه ، فله فوائد : منها : الحثّ للعلماء على النّظر الموجب للعلم بغوامضه ، والبحث عن دقائقه ، فإنّ استدعاء الهمم لمعرفة ذلك من أعظم القرب . ومنها : ظهور التفاضل ، وتفاوت الدّرجات ؛ إذا لو كان القرآن كلّه محكما لا يحتاج إلى تأويل ونظر لاستوت منازل الخلق ، ولم يظهر فضل العالم على غيره . وإن كان مما لا يمكن علمه ، فله فوائد : منها : ابتلاء العباد بالوقوف عنده والتوقّف فيه ، والتفويض والتسليم والتعبّد بالاشتغال به من جهة التّلاوة كالمنسوخ ؛ وإن لم يجز العمل بما فيه وإقامة الحجّة عليهم ، لأنه لما نزل بلسانهم ولغتهم . وعجزوا عن الوقوف على معناه ، مع بلاغتهم وأفهامهم . دلّ على أنه نزل من عند اللّه ؛ وأنّه الذي أعجزهم عن الوقوف على معناه . وقال الإمام فخر الدين : من الملحدة من طعن في القرآن ؛ لأجل اشتماله على المتشابهات ، وقال : إنكم تقولون : إنّ تكاليف الخلق مرتبطة بهذا القرآن إلى قيام الساعة ؛ ثم إنا نراه بحيث يتمسّك به صاحب كل مذهب على مذهبه : فالجبريّ متمسّك بآيات الجبر كقوله تعالى : وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً [ الأنعام : 25 ] . والقدريّ يقول : هذا مذهب الكفار ، بدليل أنه تعالى حكى ذلك عنهم في معرض الذّم في قوله : وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ [ فصلت : 5 ] . وفي موضع آخر : وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ [ البقرة : 88 ] . ومنكر الرؤية متمسك بقوله تعالى : لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ [ الأنعام : 103 ] « 2 » . ومثبت الجهة متمسّك بقوله تعالى : يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ [ النحل : 50 ] . الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى ( 5 ) [ طه : 5 ] .
--> ( 1 ) انظر مقدمة المباني ص 177 - 182 ، والتذكار ص 286 - 287 ، والبرهان 2 / 75 ، والتيسير للكافيجي ص 190 - 192 ، ومناهل العرفان 2 / 178 بتحقيقنا . ( 2 ) ولا وجه له في ذلك ، وانظر رسالتي : « رؤية اللّه في الآخرة » .