جلال الدين السيوطي

622

الإتقان في علوم القرآن

والنّافي متمسك بقوله تعالى : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [ الشورى : 11 ] . ثم يسمّي كلّ واحد الآيات الموافقة لمذهبه محكمة ، والآيات المخالفة له متشابهة ؛ وإنما آل في ترجيح بعضها على البعض إلى ترجيحات خفيّة ووجوه ضعيفة ؛ فكيف يليق بالحكيم أن يجعل الكتاب الذي هو المرجوع إليه في كلّ الدّين إلى يوم القيامة هكذا ؟ ! قال : والجواب أنّ العلماء ذكروا لوقوع المتشابه فيه فوائد : منها : أنّه يوجب مزيد المشقّة في الوصول إلى المراد ، وزيادة المشقة توجب مزيد الثواب . ومنها : أنه لو كان القرآن كلّه محكما لما كان مطابقا إلّا لمذهب واحد ؛ وكان بصريحه مبطلا لكلّ ما سوى ذلك المذهب ، وذلك مما ينفّر أرباب سائر المذاهب عن قوله وعن النظر فيه والانتفاع به ؛ فإذا كان مشتملا على المحكم والمتشابه طمع صاحب كلّ مذهب أن يجد فيه ما يؤيّد مذهبه ، وينصر مقالته ، فينظر فيه جميع أرباب المذاهب ، ويجتهد في التأمّل فيه صاحب كلّ مذهب ، وإذا بالغوا في ذلك صارت المحكمات مفسّرة للمتشابهات ، وبهذا الطريق يتخلّص المبطل من باطله ، ويتّصل إلى الحق . ومنها : أنّ القرآن إذا كان مشتملا على المتشابه ، افتقر إلى العلم بطريق التأويلات ، وترجيح بعضها على بعض ، وافتقر في تعلّم ذلك إلى تحصيل علوم كثيرة من علم اللغة والنّحو والمعاني والبيان وأصول الفقه . ولو لم يكن الأمر كذلك لم يحتج إلى تحصيل هذه العلوم الكثيرة ؛ فكان في إيراد المتشابه هذه الفوائد الكثيرة . ومنها : أنّ القرآن مشتمل على دعوة الخواصّ والعوامّ ، وطبائع العوامّ تنفر « 1 » في أكثر الأمر عن درك الحقائق ، فمن سمع من العوام في أوّل الأمر إثبات موجود ليس بجسم ولا متحيّز « 2 » ولا مشار إليه ظن أنّ هذا عدم ونفي ، فوقع التعطيل ؛ فكان الأصلح أن يخاطبوا بألفاظ دالّة على بعض ما يناسب ما توهّموه وتخيّلوه ؛ ويكون ذلك مخطوطا بما يدلّ على الحقّ الصريح ، فالقسم الأول . وهو الذي يخاطبون به في أول الأمر . يكون من المتشابهات ، والقسم الثاني . وهو الذي يكشف لهم في آخر الأمر . من المحكمات .

--> ( 1 ) في المناهل 2 / 179 تنبو . ( 2 ) هذه من الألفاظ المجملة التي يراد بها حق وباطل ، فلا بد من التفصيل في المراد من هذه الألفاظ ، وقد استخدمها الرازي وغيره بقصد تأويل وتحريف صفات اللّه تعالى .