جلال الدين السيوطي
606
الإتقان في علوم القرآن
[ المائدة : 116 ] . ووجّه بأنه خرّج على سبيل المشاكلة مرادا به الغيب ؛ لأنه مستتر كالنفس . وقوله : وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ [ آل عمران : 28 ] أي : عقوبته . وقيل : إيّاه . وقال السّهيليّ : النّفس عبارة عن حقيقة الوجود دون معنى زائد ، وقد استعمل من لفظة النفاسة والشيء النفيس ، فصلحت للتعبير عنه سبحانه وتعالى . وقال ابن اللّبان : أوّلها العلماء بتأويلات : ومنها : أن النفس عبّر بها عن الذّات ، قال : وهذا وإن كان سائغا في اللّغة ، ولكن تعدّي الفعل إليها بفي المفيدة للظرفية محال عليه تعالى . وقد أوّلها بعضهم بالغيب ، أي : ولا أعلم ما في غيبك وسرّك ، قال : وهذا حسن ، لقوله في آخر الآية : إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ . ومن ذلك : ( الوجه ) « 1 » وهو مؤوّل بالذات : وقال ابن اللّبان في قوله : يُرِيدُونَ وَجْهَهُ [ الأنعام : 52 ] . إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ [ الإنسان : 9 ] . إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى ( 20 ) [ الليل : 20 ] . المراد إخلاص النيّة . وقال غيره في قوله : فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ [ البقرة : 115 ] أي : الجهة التي أمر بالتوجّه إليها . ومن ذلك : ( العين ) « 2 » وهي مؤوّلة بالبصر أو الإدراك ، بل قال بعضهم : إنّها حقيقة في ذلك ، خلافا لتوهّم بعض الناس أنها مجاز ، وإنما المجاز في تسمية العضو بها . وقال ابن اللبّان : نسبة العين إليه تعالى اسم لآياته المبصرة ، التي بها سبحانه ينظر للمؤمنين ، وبها ينظرون إليه ، قال تعالى : فَلَمَّا جاءَتْهُمْ آياتُنا مُبْصِرَةً [ النمل : 13 ] . نسب البصر للآيات على سبيل المجاز تحقيقا ؛ لأنها المرادة بالعين المنسوبة إليه . وقال : قَدْ جاءَكُمْ بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْها [ الأنعام : 104 ] . قال : فقوله : وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا [ الطور : 48 ] أي : بآياتنا تنظر بها إلينا ، وننظر بها إليك .
--> ( 1 ) صفة الوجه ومن الصفات التي نطق بها القرآن وصحت بها الأخبار . فهي صفة ثابتة بنص الكتاب ، وخبر الصادق الأمين ، فيجب الإقرار بها والتسليم ، كسائر الصفات الثابتة بواضح الدلالات . وانظر الصفات للحافظ عبد الغني ص 78 ، والتوحيد لابن خزيمة ص 19 - 25 ، والأسماء والصفات للبيهقي 2 / 25 - 39 ، والاعتقاد ص 88 - 90 ، والرد على الجهمية لابن مندة ص 94 ، والصفات الدارقطني ص 55 - 65 ، وأصول الاعتقاد 3 / 412 - 433 . ( 2 ) صفة العين من الصفات الثابتة بالكتاب والسنة ، فيجب الإقرار بها والتسليم ، ولا يجوز تأويلها ، كما لا يجوز تأويل سائر الصفات الثابتة بواضح الدلالات . انظر الأسماء والصفات 2 / 40 - 42 ، والتوحيد لابن خزيمة 1 / 96 - 105 ، وأصول الاعتقاد 3 / 412 .