جلال الدين السيوطي
607
الإتقان في علوم القرآن
قال : ويؤيّد انّ المراد بالأعين هنا الآيات كونه علّل بها الصبر لحكم ربّه صريحا في قوله : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا ( 23 ) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً ( 24 ) [ الإنسان : 23 . 24 ] . قال : وقوله في سفينة نوح : تَجْرِي بِأَعْيُنِنا [ القمر : 14 ] أي : بآياتنا ، بدليل : وَقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها [ هود : 41 ] . وقال : وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي [ طه : 39 ] أي : على حكم آيتي التي أوحيتها إلى أمّك : أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ [ القصص : 7 ] الآية . انتهى . وقال غيره : المراد في الآيات كلاءته تعالى وحفظه . ومن ذلك : ( اليد ) « 1 » في قوله : لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ ص : 75 ] . يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ [ الفتح : 10 ] . مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا [ يس : 71 ] . وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ [ الحديد : 29 ] . وهي مؤولة بالقدرة . وقال السهيليّ « 2 » : اليد في الأصل . كالبصر . عبارة عن صفة لموصوف ، ولذلك مدح سبحانه وتعالى بالأيدي مقرونة مع الأبصار في قوله : أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصارِ [ ص : 45 ] . ولم يمدحهم بالجوارح ؛ لأنّ المدح إنّما يتعلق بالصفات لا بالجواهر ، قال : ولهذا قال الأشعريّ : إنّ اليد صفة ورد بها الشرع . والذي يلوح من معنى هذه الصفة أنها قريبة من معنى القدرة ، إلّا أنها أخصّ والقدرة أعمّ ، كالمحبّة مع الإرادة والمشيئة ؛ فإنّ في اليد تشريفا لازما . وقال البغوي « 3 » في قوله : بِيَدَيَّ : في تحقيق اللّه التثنية في اليد دليل على أنّها
--> ( 1 ) قال الحافظ عبد الغني في الصفات ص 84 - 85 : « ومن صفاته - سبحانه - الواردة في كتابه العزيز ، والثابتة بما صح عن رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - المصطفى الأمين : اليدان . . . فلا نقول : يد كيد ، ولا نكيّف ، ولا نشبّه ، ولا نتأوّل اليدين على القدرتين ، كما يقول أهل التعطيل والتأويل ، بل نؤمن بذلك ، ونثبت الصفة من غير تحديد ولا تشبيه . ولا يصح حمل اليدين على القدرتين ؛ فإنّ قدرة اللّه - عز وجل - واحدة ، ولا على النعمتين ؛ فإنّ نعم اللّه - عزّ وجل - لا تحصى ، كما قال - عز وجل : وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها [ إبراهيم : 34 ] . وكل ما قال اللّه - عز وجل - في كتابه ، وصح عن رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - بنقل العدل ، عن العدل ، مثل : المحبة ، والمشيئة ، والإرادة والضحك ، والفرح ، والعجب ، والبغض ، والسخط ، والكره ، والرضى ، وسائر ما صح من اللّه ورسوله ، وإن نبت عنها أسماع بعض الجاهلين ، واستوحشت منها نفوس المعطلين » ا ه . وانظر الأسماء والصفات 2 / 43 - 53 ، والشريعة للآجري ص 321 - 322 ، والسنة لابن أبي عاصم ص 273 - 274 ، والاعتقاد للبيهقي ص 88 - 90 ، ومختصر الصواعق 2 / 153 - 174 ، والتوحيد لابن خزيمة 1 / 118 ، وأصول الاعتقاد للالكائي 3 / 412 ، والبرهان 2 / 85 . ( 2 ) انظر البرهان 2 / 87 . ( 3 ) نقله في البرهان 2 / 86 .