جلال الدين السيوطي

605

الإتقان في علوم القرآن

قال : اسكت ، لا يقال : استولى على الشيء ؛ إلّا إذا كان له مضادّ ، فإذا غلب أحدهما قيل : استولى « 1 » . ثالثها : أنّه بمعنى صعد ، قاله أبو عبيد ، وردّ بأنه تعالى منزّه عن الصّعود أيضا . رابعها : أنّ التقدير : ( الرحمن علا ) أي : ارتفع ، من العلوّ ، والعرش له استوى . حكاه إسماعيل الضرير في تفسيره . وردّ بوجهين : أحدهما : أنه جعل ( على ) فعلا ، وهي حرف هنا باتفاق ، فلو كانت فعلا لكتبت بالألف ، كقوله : عَلا فِي الْأَرْضِ [ القصص : 4 ] . والآخر : أنه رفع ( العرش ) ولم يرفعه أحد من القرّاء . خامسها : أنّ الكلام تم عند قوله : الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ ثم ابتدأ بقوله : اسْتَوى ( 5 ) لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ [ طه : 5 . 6 ] . وردّ : بأنه يزيل الآية عن نظمها ومرادها . قلت : ولا يتأتى له في قوله : ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ [ الأعراف : 54 ] . سادسها : أنّ معنى ( استوى ) : أقبل على خلق العرش وعمد إلى خلقه ، كقوله : ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ [ فصلت : 11 ] أي : قصد وعمد إلى خلقها . قاله الفرّاء والأشعري وجماعة أهل المعاني . وقال إسماعيل الضرير : إنّه الصّواب . قلت : يبعده تعديته بعلى ، ولو كان كما ذكروه لتعدّى بإلى ، كما في قوله : ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ . سابعها : قال ابن اللبان : الاستواء المنسوب إليه تعالى بمعنى اعتدل ، أي : قام بالعدل ، كقوله تعالى : قائِماً بِالْقِسْطِ [ آل عمران : 18 ] . والعدل هو استواؤه ، ويرجع معناه إلى أنه : أعطى بعزّته كلّ شيء خلقه موزونا بحكمته البالغة « 2 » . ومن ذلك : ( النفس ) « 3 » في قوله تعالى : تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ

--> ( 1 ) رواه اللالكائي ( 666 ) 3 / 399 ، وابن قدامة في إثبات صفة العلو ( 105 ) ص 119 - 120 ، والخطيب في تاريخه 5 / 284 . وسنده حسن . ( 2 ) استواء اللّه - سبحانه وتعالى - على عرشه ، ثابت بالكتاب ، والسنة ، وإجماع علماء السلف وأهل الحديث . ولم يظهر إنكاره إلّا في أوائل القرن الثاني ، أظهره الجعد بن درهم . انظر صفة الاستواء ص 71 من كتاب الصفات للحافظ المقدسي بتحقيقنا ضمن عقائد أئمة السلف . ( 3 ) قال الحافظ عبد الغني المقدسي في الصفات ص 86 : « ومما نطق به القرآن ، وصحّ به النقل من الصفات : النفس » ا ه . وانظر الرد على الجهمية ص 93 ، والأسماء والصفات للبيهقي 2 / 7 ، وابن خزيمة في التوحيد 1 / 11 - 22 وفتح الباري 13 / 384 - 385 .