جلال الدين السيوطي
598
الإتقان في علوم القرآن
وأخرج الدارميّ ، عن عمر بن الخطاب ، قال : إنّه سيأتيكم ناس يجادلونكم بمشتبهات القرآن ، فخذوهم بالسّنن ، فإنّ أصحاب السنن أعلم بكتاب اللّه « 1 » . فهذه الأحاديث والآثار تدلّ على أنّ المتشابه مما لا يعلمه إلّا اللّه ، وأنّ الخوض فيه مذموم ، وسيأتي قريبا زيادة على ذلك . قال الطّيبيّ : المراد بالمحكم ما اتضح معناه ، والمتشابه بخلافه ؛ لأنّ اللفظ الذي يقبل معنى : إمّا أن يحتمل غيره أو لا ، والثاني النّص ، والأول : إما أن تكون دلالته على ذلك الغير أرجح أو لا ، والأول هو الظاهر ، والثاني : إما أن يكون مساويه أو لا ، والأوّل هو المجمل ، والثاني المؤوّل . فالمشترك : بين النّص والظاهر هو المحكم ، والمشترك بين المجمل والمؤوّل هو المتشابه . ويؤيد هذا التقسيم : أنه تعالى أوقع المحكم مقابلا للمتشابه ، قالوا : فالواجب أن يفسّر المحكم بما يقابله . ويعضد ذلك أسلوب الآية ، وهو الجمع مع التقسيم ؛ لأنه تعالى فرّق ما جمع في معنى الكتاب ، بأن قال : مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ ، وأراد أن يضيف إلى كلّ منهما ما شاء ، فقال أولا : فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ إلى أن قال : وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ ، وكان يمكن أن يقال : ( وأما الذين في قلوبهم استقامة ، فيتبعون المحكم ) لكنه وضع موضع ذلك وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ لإتيان لفظ الرسوخ ؛ لأنه لا يحصل إلّا بعد التثبّت العام والاجتهاد البليغ ، فإذا استقام القلب على طرق الإرشاد ، ورسخ القدم في العلم أفصح صاحبه النطق بالقول الحق ، وكفى بدعاء الراسخين في العلم رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا [ آل عمران : 8 ] . إلى آخره . . . شاهدا على أنّ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مقابل لقوله : فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ . وفيه إشارة إلى أن الوقف على قوله : إِلَّا اللَّهُ تام ، وإلى أن علم بعض المتشابه مختصّ باللّه تعالى ، وأنّ من حاول معرفته هو الذي أشار إليه في الحديث ، بقوله : « فاحذروهم » « 2 » . وقال بعضهم : العقل مبتلى باعتقاد حقيّة المتشابه كابتلاء البدن بأداء العبادة ، كالحكيم : إذا صنّف كتابا أجمل فيه أحيانا ؛ ليكون موضع خضوع المتعلم لأستاذه ، وكالملك يتخذ علامة يمتاز بها من يطلعه على سره .
--> ( 1 ) رواه الدارمي ( 119 ) 1 / 62 ، والأصبهاني في الحجة 1 / 312 - 313 ، والآجري في الشريعة ص 74 ، واللالكائي في أصول الاعتقاد ( 202 ) 2 / 123 . وفي سنده : عمرو بن الأشجع ، وعند بعضهم عمر الأشج . ولعله يعقوب بن عبد اللّه الأشج ، مولى الأشجع ، وهو ثقة . واللّه أعلم . ( 2 ) سبق تخريجه 1 / 595 .