جلال الدين السيوطي
599
الإتقان في علوم القرآن
وقيل : لو لم يبتل العقل . الذي هو أشرف البدن . لاستمرّ العالم في أبّهة العلم على التمرّد ، فبذلك يستأنس إلى التذلّل بعز العبودية ، والمتشابه هو موضع خضوع العقول لبارئها استسلاما واعترافا بقصورها . وفي ختم الآية بقوله تعالى : وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ تعريض بالزائغين ، ومدح للرّاسخين ، يعني : من لم يتذكّر ويتّعظ ويخالف هواه ، فليس من أولي العقول ، ومن ثمّ قال الراسخون : رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا إلى آخر الآية ، فخضعوا لبارئهم لاستنزال العلم اللّدنّيّ ، بعد أن استعاذوا به من الزيغ النفسانيّ . وقال الخطابيّ « 1 » : المتشابه على ضربين : أحدهما : ما إذ ردّ إلى المحكم واعتبر به عرف معناه ، والآخر : ما لا سبيل إلى الوقوف على حقيقته ، وهو الذي يتّبعه أهل الزيغ فيطلبون تأويله ، ولا يبلغون كنهه ، فيرتابون فيه فيفتتنون . وقال ابن الحصّار : قسّم اللّه آيات القرآن إلى محكم ومتشابه ، وأخبر عن المحكمات أنها أمّ الكتاب ؛ لأنّ إليها تردّ المتشابهات ، وهي التي تعتمد في فهم مراد اللّه من خلقه في كلّ ما تعبّدهم به من معرفته ، وتصديق رسله ، وامتثال أوامره واجتناب نواهيه ، بهذا الاعتبار كانت أمّهات . ثم أخبر عن الّذين في قلوبهم زيغ أنهم هم الذين يتّبعون ما تشابه منه ؛ ومعنى ذلك : أنّ من لم يكن على يقين من المحكمات ، وفي قلبه شكّ واسترابة ، كانت راحته في تتّبع المشكلات المتشابهات ، ومراد الشارع منها التقدّم إلى فهم المحكمات ، وتقديم الأمّهات ؛ حتى إذا حصل اليقين ورسخ العلم لم تبال بما أشكل عليك . ومراد هذا الذي في قلبه زيغ التقدّم إلى المشكلات ، وفهم المتشابه قبل فهم الأمّهات ، وهو عكس المعقول والمعتاد والمشروع ، ومثل هؤلاء مثل المشركين الذين يقترحون على رسلهم آيات غير الآيات التي جاءوا بها ، ويظنّون أنّهم لو جاءتهم آيات أخر لآمنوا عندها ، جهلا منهم ، وما علموا أنّ الإيمان بإذن اللّه تعالى . انتهى . وقال الراغب في « مفردات القرآن » « 2 » : الآيات عند اعتبار بعضها ببعض ثلاثة أضرب : محكم على الإطلاق ، ومتشابه على الإطلاق ، ومحكم من وجه متشابه من وجه . فالمتشابه بالجملة ثلاثة أضرب : متشابه من جهة اللفظ فقط ، ومن جهة المعنى فقط ، ومن جهتهما . فالأول : ضربان :
--> ( 1 ) انظر شرح السنة 1 / 222 . ( 2 ) المفردات ص 254 - 255 .