جلال الدين السيوطي
575
الإتقان في علوم القرآن
الباطل ) « 1 » في قوله تعالى : وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ [ الأنعام : 153 ] لأنّ طريق الحقّ واحدة ، وطريق الباطل متشعّبة متعدّدة . والظلمات بمنزلة طرق الباطل ، والنور بمنزلة طريق الحقّ ، بل هما هما . ولهذا وحّد وليّ المؤمنين ، وجمع أولياء الكفار . لتعدّدهم . في قوله تعالى : اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ [ البقرة : 257 ] . ومن ذلك إفراد ( النار ) « 2 » حيث وقعت ، و ( الجنة ) وقعت مجموعة ومفردة ؛ لأنّ الجنان مختلفة الأنواع ، فحسن جمعها ، والنار مادة واحدة . ولأنّ الجنّة رحمة ، والنار عذاب ، فناسب جمع الأولى وإفراد الثانية ، على حدّ الرياح والريح . ومن ذلك إفراد ( السمع ) وجمع ( البصر ) لأن السمع غلب عليه المصدريّة فأفرد ، بخلاف البصر : فإنه اشتهر في الجارحة ؛ ولأنّ متعلّق السمع الأصوات وهي حقيقة واحدة ، ومتعلق البصر الألوان والأكوان وهي حقائق مختلفة ، فأشار في كل منهما إلى متعلّقه . ومن ذلك إفراد ( الصديق ) وجمع ( الشافعين ) « 3 » في قوله تعالى : فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ ( 100 ) وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ ( 101 ) [ الشعراء : 100 . 101 ] . وحكمته كثرة الشفعاء في العادة ، وقلّة الصديق . قال الزمخشري : ألا ترى أن الرجل إذا امتحن بإرهاق ظالم ، نهضت جماعة وافرة من أهل بلده لشفاعته رحمة ، وإن لم يسبق له بأكثرهم معرفة ، وأما الصديق : فأعزّ من بيض الأنوق . ومن ذلك : ( الألباب ) لم يقع إلّا مجموعا ، لأن مفرده ثقيل لفظا . ومن ذلك مجيء ( المشرق والمغرب ) « 4 » بالإفراد والتثنية والجمع ، فحيث أفردا فاعتبارا للجهة ، وحيث ثنّيا فاعتبارا لمشرق الصيف والشتاء ومغربهما ، وحيث جمعا فاعتبارا لتعدّد المطالع في كلّ فصل من فصلي السنة . وأما وجه اختصاص كلّ موضوع بما وقع فيه : ففي سورة الرحمة وقع بالتثنية ؛ لأنّ سياق السورة سياق المزدوجين ، فإنه سبحانه وتعالى ذكر أوّلا نوعي الإيجاد وهما الخلق والتعليم . ثم ذكر سراجي العالم : الشمس والقمر . ثم نوعي النبات : ما كان على ساق وما لا ساق له ، وهما النجم والشجر ، ثم نوعي السماء والأرض . ثم نوعي العدل والظلم . ثم نوعي
--> ( 1 ) انظر البرهان 4 / 12 . ( 2 ) انظر البرهان 4 / 14 . ( 3 ) انظر البرهان 4 / 20 - 21 . ( 4 ) انظر البرهان 4 / 15 - 18 .