جلال الدين السيوطي

553

الإتقان في علوم القرآن

فهذا الأثر لا إشكال فيه ، وبه يتّضح معنى ما تقدّم ، فكأنه عرض عليه عقب الفراغ من كتابته ، فرأى فيه شيئا كتب على غير لسان قريش ، كما وقع لهم في ( التابوة ) و التَّابُوتِ * فوعد بأنه سيقيمه على لسان قريش ، ثم وفّى بذلك عند العرض والتقويم ، ولم يترك فيه شيئا . ولعلّ من روى تلك الآثار السابقة عنه حرّفها ، ولم يتقن اللفظ الذي صدر عن عثمان ، فلزم منه ما لزم من الإشكال ؛ فهذا أقوى ما يجاب عن ذلك ، وللّه الحمد . وبعد ؛ فهذه الأجوبة لا يصلح منها شيء عن حديث عائشة : أما الجواب بالتضعيف فلأن إسناده صحيح كما ترى . وأما الجواب بالرمز وما بعده ، فلأن سؤال عروة عن الأحرف المذكورة لا يطابقه ، فقد أجاب عنه ابن أشتة ، وتبعه ابن جبارة في شرح الرّائية ، بأنّ معنى قولها ( أخطئوا ) أي : في اختيار الأولى من الأحرف السبعة لجمع الناس عليه . لا أنّ الذي كتبوا من ذلك خطأ لا يجوز . قال : والدليل على ذلك أنّ ما لا يجوز مردود بإجماع من كلّ شيء ، وإن طالت مدة وقوعه . قال : وأما قول سعيد بن جبير : لحن من الكاتب « 1 » : فيعني : باللّحن القراءة واللغة ، يعني أنّها لغة الذي كتبها وقراءته ، وفيها قراءة أخرى . ثم أخرج عن إبراهيم النّخعي ، أنه قال : إِنْ هذانِ لَساحِرانِ [ طه : 63 ] ، ( إنّ هذين لساحران ) سواء ، لعلهم كتبوا الألف مكان الياء ، والواو في قوله : وَالصَّابِئُونَ مكان الياء ، قال ابن أشتة : يعني أنه من إبدال حرف في الكتاب بحرف ، مثل الصلاة والزكاة والحياة . وأقول : هذا الجواب إنّما يحسن لو كانت القراءة بالياء فيها والكتابة بخلافها ، أما والقراءة على مقتضى الرسم فلا ، وقد تكلّم أهل العربية على هذه الأحرف ووجهوها على أحسن توجيه . أما قوله : ( إِنْ هذانِ لَساحِرانِ ) ففيه أوجه « 2 » : أحدها : أنه جار على لغة من يجري المثنى بالألف في أحواله الثلاثة ، وهي لغة مشهورة لكنانة ، وقيل : لبني الحارث . الثاني : أنّ اسم ( إنّ ) ضمير الشأن محذوفا ، والجملة مبتدأ وخبر ، خبر إنّ . الثالث : كذلك ، إلّا أن ( ساحران ) خبر مبتدإ محذوف ، والتقدير : لهما ساحران .

--> ( 1 ) سبق تخريجه . ( 2 ) انظر زاد المسير 5 / 297 - 298 ، ومجموع الفتاوى 15 / 153 ، والقرطبي 11 / 217 .