جلال الدين السيوطي
552
الإتقان في علوم القرآن
بعده البناء على رسمه والوقوف عند حكمه . ومن زعم أنّ عثمان أراد بقوله : ( أرى فيه لحنا ) أرى في خطه لحنا ، إذا أقمناه بألسنتنا كان لحن الخطّ غير مفسد ولا محرّف من جهة تحريف الألفاظ وإفساد الإعراب ، فقد أبطل ولم يصب ؛ لأنّ الخط منبئ عن النطق ، فمن لحن في كتبه فهو لاحن في نطقه ، ولم يكن عثمان ليؤخّر فسادا في هجاء ألفاظ القرآن من جهة كتب ولا نطق . ومعلوم أنه كان مواصلا لدرس القرآن ، متقنا لألفاظه ، موافقا على ما رسم في المصاحف المنفذة إلى الأمصار والنواحي . ثم أيّد ذلك بما أخرجه أبو عبيد ، قال : حدّثنا عبد الرحمن بن مهدي ، عن عبد اللّه بن مبارك ، حدّثنا أبو وائل . شيخ من أهل اليمن . عن هانئ البربريّ . مولى عثمان . قال : كنت عند عثمان وهم يعرضون المصاحف ، فأرسلني بكتف شاة إلى أبيّ بن كعب ، فيها : لم يتسن [ البقرة : 259 ] ، وفيها : ( لا تبديل للخلق ) [ الروم : 30 ] ، وفيها : فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ [ الطارق : 17 ] قال : فدعا بالدّواة . فمحا أحد اللّامين ، فكتب لِخَلْقِ اللَّهِ ومحا ( فأمهل ) ، وكتب فَمَهِّلِ ، وكتب لَمْ يَتَسَنَّهْ ألحق فيها الهاء « 1 » . قال ابن الأنباري : فكيف يدّعى عليه أنه رأى فسادا فأمضاه ، وهو يوقف على ما كتب ، ويرفع الخلاف إليه الواقع من الناسخين ؛ ليحكم بالحق ، ويلزمهم إثبات الصواب وتخليده . انتهى . قلت : ويؤيّد هذا أيضا ما أخرجه ابن أشتة في « المصاحف » قال : حدّثنا الحسن بن عثمان ، أنبأنا الربيع بن بدر ، عن سوّار بن شبيب قال : سألت ابن الزّبير عن المصاحف ، فقال : قام رجل إلى عمر ، فقال : يا أمير المؤمنين ، إن الناس قد اختلفوا في القرآن ، فكان عمر قد همّ أن يجمع القرآن على قراءة واحدة ، فطعن طعنته التي مات بها ، فلما كان في خلافة عثمان قام ذلك الرّجل ، فذكر له ، فجمع عثمان المصاحف ، ثم بعثني إلى عائشة فجئت بالصّحف ، فعرضناها عليها حتى قوّمناها ، ثم أمر بسائرها فشقّقت . فهذا يدل على أنهم ضبطوها وأتقنوها ، ولم يتركوا فيها ما يحتاج إلى إصلاح ولا تقويم . ثم قال ابن أشتة : أنبأنا محمد بن يعقوب ، أنبأنا أبو داود سليمان بن الأشعث ، أنبأنا أحمد بن مسعدة ، أنبأنا إسماعيل ، أخبرني الحارث بن عبد الرحمن ، عن عبد الأعلى بن عبد اللّه بن عامر قال : لما فرغ من المصحف أتي به عثمان ، فنظر فيه ، فقال : أحسنتم وأجملتم ، أرى شيئا سنقيمه بألسنتنا « 2 » .
--> ( 1 ) رواه أبو عبيد في فضائل القرآن ص 286 - 287 وفيه رجل مبهم . ( 2 ) سبق تخريجه .