جلال الدين السيوطي

551

الإتقان في علوم القرآن

وهذه الآثار مشكلة جدّا ، وكيف يظنّ بالصحابة . أوّلا : أنهم يلحنون في الكلام فضلا عن القرآن وهم الفصحاء اللدّ ، ثم كيف يظنّ بهم : ثانيا : في القرآن الذي تلقوه من النبي . صلّى اللّه عليه وسلّم . كما أنزل وحفظوه وضبطوه وأتقنوه ؟ ثم كيف يظنّ بهم . ثالثا : اجتماعهم كلهم على الخطأ وكتابته ؟ ثم كيف يظنّ بهم . رابعا : عدم تنبههم ورجوعهم عنه ؟ ثم كيف يظنّ بعثمان أنه ينهى عن تغييره ؟ ثم كيف يظنّ أنّ القراءة استمرت على مقتضى ذلك الخطأ ؟ وهو مرويّ بالتواتر خلفا عن سلف ؟ هذا مما يستحيل عقلا وشرعا وعادة . وقد أجاب العلماء عن ذلك بثلاثة أجوبة « 1 » : أحدها : أنّ ذلك لا يصحّ عن عثمان ؛ فإنّ إسناده ضعيف مضطرب منقطع . ولأنّ عثمان جعل للناس إماما يقتدون به ، فكيف يرى فيه لحنا ويتركه لتقيمه العرب بألسنتها ؟ فإذا كان الذين تولّوا جمعه وكتابته لم يقيموا ذلك وهم الخيار ، فكيف يقيمه غيرهم ! و . أيضا . فإنه لم يكتب مصحفا واحدا ، بل كتب عدة مصاحف . فإن قيل : إنّ اللحن وقع في جميعها ، فبعيد اتفاقها على ذلك ، أو في بعضها فهو اعتراف بصحة البعض ، ولم يذكر أحد من الناس أن اللحن كان في مصحف دون مصحف ، ولم تأت المصاحف قط مختلفة إلّا فيما هو من وجوه القراءة ، وليس ذلك بلحن . الثاني : على تقدير صحة الرواية ، إنّ ذلك محمول على الرمز والإشارة ومواضع الحذف ، نحو الكتب * ، ( الصابرين ) ، وما أشبه ذلك . الثالث : أنّه مؤوّل على أشياء خالف لفظها رسمها ، كما كتبوا : ( ولا أوضعوا ) [ التوبة : 47 ] وو لا أذبحنّه ) [ النمل : 21 ] بألف بعد لا . وجزاؤا الظالمين [ المائدة : 29 ] . بواو وألف . وبأييد [ الذاريات : 47 ] بياءين ، فلو قرئ بظاهر الخط لكان لحنا ، وبهذا الجواب وما قبله جزم ابن أشتة في كتاب « المصاحف » . وقال ابن الأنباري في كتاب « الرّدّ على من خالف مصحف عثمان » في الأحاديث المروية عن عثمان في ذلك : لا تقوم بها حجة ؛ لأنها منقطعة غير متّصلة ، وما يشهد عقل بأنّ عثمان . وهو إمام الأمة الذي هو إمام النّاس في وقته ، وقدوتهم . يجمعهم على المصحف الذي هو الإمام فيتبيّن فيه خللا ، ويشاهد في خطّه زللا فلا يصلحه ، كلّا واللّه ما يتوهّم عليه هذا ذو إنصاف وتمييز ، ولا يعتقد أنه أخّر الخطأ في الكتاب ليصلحه من بعده . وسبيل الجائين من

--> ( 1 ) انظر فضائل القرآن لأبي عبيد ص 287 - 288 ، وزاد المسير 2 / 251 - 252 ، وشذور الذهب ص 50 ومجموع الفتاوى 15 / 153 .