جلال الدين السيوطي

490

الإتقان في علوم القرآن

وأمّا الترتيب والمهلة فخالف قوم في اقتضائها إيّاهما ، تمسّكا بقوله : خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْها زَوْجَها [ الزمر : 6 ] . وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ ( 8 ) ثُمَّ سَوَّاهُ [ السجدة : 7 . 9 ] ، وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى ( 82 ) [ طه : 82 ] . والاهتداء سابق على ذلك ، ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ثُمَّ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ [ الأنعام : 153 . 154 ] . وأجيب : عن الكل بأنّ ثم لترتيب الأخبار لا لترتيب الحكم . قال ابن هشام : وغير هذا الجواب أنفع منه ، لأنه يصحّح الترتيب فقط لا المهلة ، إذ لا تراخي بين الإخبارين . والجواب المصحّح لهما ما قيل في الأولى : إنّ العطف على مقدّر ، أي : من نفس واحدة : أنشأها ثم جعل منها زوجها ، وفي الثانية : أنّ سَوَّاهُ عطف على الجملة الأولى لا الثانية ، وفي الثالثة أنّ المراد : ثمّ دام على الهداية . فائدة : أجرى الكوفيّون ( ثمّ ) مجرى الفاء والواو ، في جواز نصب المضارع المقرون بها بعد فعل الشرط ، وخرّج عليه قراءة الحسن : وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ [ النساء : 100 ] بنصب يُدْرِكْهُ . ثَمّ « 1 » : بالفتح ، اسم يشار به إلى المكان البعيد ، نحو : وَأَزْلَفْنا ثَمَّ الْآخَرِينَ ( 64 ) [ الشعراء : 64 ] وهو ظرف لا يتصرّف ، فلذلك غلط من أعربه مفعولا ل ( رأيت ) في قوله : وَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ [ الإنسان : 20 ] . وقرئ : ( فَإِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ ) [ يونس : 46 ] أي : هنالك اللّه شهيد ، بدليل : هُنالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ [ الكهف : 44 ] . وقال الطبري « 2 » في قوله : أَ ثُمَّ إِذا ما وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ [ يونس : 51 ] معناه : هنالك ، وليست ثمّ العاطفة . وهذا وهم ، أشبه عليه المضمومة بالمفتوحة . وفي « التوشيح » لخطاب : ( ثمّ ) ظرف فيه معنى الإشارة إلى حيث ؛ لأنه هو في المعنى . جعل « 3 » : قال الراغب « 4 » : لفظ عام في الأفعال كلّها ، وهو أعمّ من فعل وصنع ، وسائر أخواتها . ويتصرف على خمسة أوجه :

--> ( 1 ) انظر عمدة الحفاظ 1 / 330 ، والصاحبي ص 152 ، والمفردات ص 82 ، والبرهان 4 / 270 . ( 2 ) تفسير الطبري 6 / 566 . ( 3 ) انظر عمدة الحفاظ 1 / 377 - 378 ، وبصائر ذوي التمييز 2 / 383 - 385 ، والمفردات ص 94 ، ونزهة الأعين النواظر ص 228 - 230 . والبرهان 4 / 128 . ( 4 ) المفردات ص 94 .