جلال الدين السيوطي
455
الإتقان في علوم القرآن
وهذا سردها مرتبة على حروف المعجم ، وقد أفرد هذا النوع بالتصنيف خلائق من المتقدمين كالهرويّ في الأزهية ، والمتأخرين كابن أمّ قاسم في الجنى الداني . الهمزة « 1 » : تأتي على وجهين : أحدهما : الاستفهام ، وحقيقته طلب الإفهام ، وهي أصل أدواته ، ومن ثم اختصت بأمور : أحدها : جواز حذفها ، كما سيأتي في النوع السادس والخمسين . ثانيها : أنها ترد لطلب التصوّر والتصديق ، بخلاف ( هل ) ، فإنها للتصديق خاصة ، وسائر الأدوات للتصوّر خاصة . ثالثها : أنّها تدخل على الإثبات ، نحو : أَ كانَ لِلنَّاسِ عَجَباً [ يونس : 2 ] . آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ [ الأنعام : 143 ] ، وعلى النفي ، نحو أَ لَمْ نَشْرَحْ [ الشرح : 1 ] . وتفيد حينئذ معنيين : أحدهما : التّذكّر والتنبيه كالمثال المذكور ، وكقوله تعالى : أَ لَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ [ الفرقان : 45 ] . والآخر : التعجّب من الأمر العظيم ، كقوله تعالى : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ [ البقرة : 243 ] وفي كلا الحالين هي تحذير ، نحو : أَ لَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ ( 16 ) [ المرسلات : 16 ] . رابعها : تقديمها على العاطف تنبيها على أصالتها في التصدير ، نحو : أَ وَكُلَّما عاهَدُوا عَهْداً [ البقرة : 100 ] ، أَ فَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى [ الأعراف : 97 ] . أَ ثُمَّ إِذا ما وَقَعَ [ يونس : 51 ] . وسائر أخواتها يتأخر عنه ، كما هو قياس جميع أجزاء الجملة المعطوفة ، نحو : فَكَيْفَ تَتَّقُونَ [ المزمل : 17 ] . فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ ( 26 ) [ التكوير : 26 ] . فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ [ الأنعام : 95 ] . فَهَلْ يُهْلَكُ [ الأحقاف : 35 ] . فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ [ الأنعام : 81 ] . فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ [ النساء : 88 ] . خامسها : أنه لا يستفهم بها حتى يهجس في النفس إثبات ما يستفهم عنه ، بخلاف ( هل ) فإنّه لما لا يترجح عنده فيه نفي ولا إثبات . حكاه أبو حيّان عن بعضهم . سادسها : أنّها تدخل على الشرط ، نحو : أَ فَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ [ الأنبياء : 34 ] . أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ [ آل عمران : 144 ] بخلاف غيرها . وتخرج عن الاستفهام الحقيقي ، فتأتي لمعان تذكر في النوع السابع والخمسون .
--> ( 1 ) انظر البرهان 4 / 175 ، ورصف المباني ص 129 - 147 .