جلال الدين السيوطي
456
الإتقان في علوم القرآن
فائدة : إذا دخلت على ( رأيت ) امتنع أن تكون من رؤية البصر أو القلب ، وصار بمعنى ( أخبرني ) وقد تبدل ( هاء ) ، وخرّج على ذلك قراءة قنبل ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ [ آل عمران : 66 ] بالقصر ، وقد تقع في القسم ، ومنه ما قرئ [ المائدة : 106 ] : وَلا نَكْتُمُ شَهادَةَ بالتنوين آللَّهُ * بالمدّ . الثاني من وجهي الهمزة : أن تكون حرفا ينادى به القريب ، وجعل منه الفراء قوله تعالى : أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً [ الزمر : 9 ] على قراءة تخفيف الميم ، أي : يا صاحب هذه الصفات . قال هشام : ويبعده أنه ليس في التنزيل نداء بغير يا ، ويقرّبه سلامته من دعوى المجاز ، إذ لا يكون الاستفهام منه تعالى على حقيقته ، ومن دعوى كثرة الحذف ، إذ التقدير عند من جعلها للاستفهام : أمن هو قانت خير أم هذا الكافر . أي : المخاطب بقوله : قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا [ الزمر : 8 ] فحذف شيئان : معادل الهمزة والخبر . أحد « 1 » : قال أبو حاتم في كتاب « الزينة » ( 2 ) : هو اسم أكمل من الواحد ، ألا ترى أنّك إذا قلت : فلان لا يقوم له واحد ، جاز في المعنى أن يقوم اثنان فأكثر ، بخلاف قولك : لا يقوم له أحد . وفي الأحد خصوصيّة ليست في الواحد ؛ تقول : ليس في الدار واحد ، فيجوز أن يكون من الدوابّ والطير والوحش والإنس ، فيعمّ الناس وغيرهم ، بخلاف ليس في الدار أحد ، فإنّه مخصوص بالآدميين دون غيرهم . قال : ويأتي الأحد في كلام العرب بمعنى الأوّل وبمعنى الواحد ، فيستعمل في الإثبات وفي النفي ، نحو : قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ( 1 ) [ الإخلاص : 1 ] أي : واحد ، وأوّل : فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ [ الكهف : 19 ] ، وبخلافهما فلا يستعمل إلّا في النفي ، تقول : ما جاءني من أحد ، ومنه : أَ يَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ ( 5 ) [ البلد : 5 ] و أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ [ البلد : 7 ] فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ [ الحاقة : 47 ] . وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ [ التوبة : 84 ] ، وواحد يستعمل فيها مطلقا . وأحد يستوي فيه المذكر والمؤنث ، قال تعالى : لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ [ الأحزاب : 32 ] بخلاف الواحد ، فلا يقال : كواحد من النساء ، بل كواحدة ، وأحد يصلح في الإفراد والجمع . قلت : ولهذا وصف قوله تعالى : فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ ( 47 ) [ الحاقة : 47 ] بخلاف الواحد .
--> ( 1 ) انظر المفردات ص 12 ، وعمدة الحفاظ 1 / 73 - 75 ، وبصائر ذوي التمييز 2 / 91 - 92 ، والقاموس المحيط ص 338 .