جلال الدين السيوطي
330
الإتقان في علوم القرآن
وقد لخّصت هذا النوع ، ورتّبت فيه متفرقات كلام أئمة القراءات ، وهو نوع مهمّ يحتاج إليه القارئ ، كاحتياج المحدّث إلى مثله من علم الحديث . فائدة : ادّعى ابن خير الإجماع على أنه ليس لأحد أن ينقل حديثا عن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ، ما لم يكن له به رواية ، ولو بالإجازة . فهل يكون حكم القرآن كذلك ؛ فليس لأحد أن ينقل آية أو يقرأها ما لم يقرأها على شيخ ؟ لم أر في ذلك نقلا ، ولذلك وجه من حيث إنّ الاحتياط في أداء ألفاظ القرآن أشدّ منه في ألفاظ الحديث . ولعدم اشتراطه فيه وجه ؛ من حيث إن اشتراط ذلك في الحديث إنما هو لخوف أن يدخل في الحديث ما ليس منه ، أو يتقوّل على النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ما لم يقله ، والقرآن محفوظ متلقّى متداول ميسّر ، وهذا هو الظاهر . فائدة ثانية : الإجازة من الشيخ غير شرط في جواز التصدّي للإقراء والإفادة ، فمن علم من نفسه الأهليّة جاز له ذلك وإن لم يجزه أحد ، وعلى ذلك السلف الأوّلون والصدر الصالح ، وكذلك في كلّ علم ، وفي الإقراء والإفتاء ؛ خلافا لما يتوهمه الأغبياء من اعتقاد كونها شرطا . وإنما اصطلح الناس على الإجازة ؛ لأنّ أهلية الشخص لا يعلمها غالبا من يريد الأخذ عنه من المبتدئين ونحوهم ؛ لقصور مقامهم عن ذلك ، والبحث عن الأهليّة قبل الأخذ شرط ، فجعلت الإجازة كالشهادة من الشيخ للمجاز بالأهلية . فائدة ثالثة : ما اعتاده كثير من مشايخ القرّاء . من امتناعهم من الإجازة إلّا بأخذ مال في مقابلها . لا يجوز إجماعا ، بل إن علم أهليّته وجب عليه الإجازة ، أو عدمها حرم عليه ، وليست الإجازة ممّا يقابل بالمال ، فلا يجوز أخذه عنها ، ولا الأجرة عليها . وفي فتاوى الصدر موهوب الجزريّ من أصحابنا : أنّه سئل عن شيخ طلب من الطالب شيئا على إجازته ، فهل للطالب رفعه إلى الحاكم وإجباره على الإجازة ؟ فأجاب : لا تجب الإجازة على الشيخ ، ولا يجوز أخذ الأجرة عليها . وسئل أيضا : عن رجل أجازه الشيخ بالإقراء ، ثم بان أنّه لا دين له ، وخاف الشيخ من تفريطه ، فهل له النزول عن الإجازة ؟ فأجاب : لا تبطل الإجازة بكونه غير ديّن . وأما أخذ الأجرة على التعليم فجائز « 1 » : ففي البخاريّ : « إنّ أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب اللّه » « 2 » .
--> ( 1 ) انظر في هذه المسألة الهامة : منجد المقرئين ص 7 ، وفتح الباري 4 / 453 - 454 ، و 9 / 213 ، وشرح مسلم للنووي 9 / 214 - 215 ، وفيض القدير 2 / 418 ، وشرح السنة 8 / 268 و 9 / 122 وتيسير العليم في أخذ الأجرة على القرآن والتعليم لأبي محمد عصام بن مرعي المصري ، فقد فصّل جزاه اللّه خيرا أقوال العلماء مع بيان أدلة كل فريق . ( 2 ) رواه البخاري ( 5737 ) ، والدارقطني 3 / 65 ، وابن حبان ( 5146 ) ، والبيهقي 6 / 124 ، والبغوي ( 2187 ) .