جلال الدين السيوطي
270
الإتقان في علوم القرآن
قال البزّار « 1 » : لم يتابع ابن مسعود على ذلك أحد من الصحابة ، وقد صحّ أنه صلّى اللّه عليه وسلّم قرأ بهما في الصلاة « 2 » . قال ابن حجر « 3 » : فقول من قال : إنه كذب عليه ، مردود ، والطعن في الروايات الصحيحة بغير مستند لا يقبل ، بل الروايات صحيحة ، والتأويل محتمل . قال : وقد أوّله القاضي وغيره على إنكار الكتابة كما سبق . قال : وهو تأويل حسن ؛ إلّا أنّ الرواية الصريحة الّتي ذكرتها تدفع ذلك حيث جاء فيها : ( ويقول : إنهما ليستا من كتاب اللّه ) . قال : ويمكن حمل لفظ : ( كتاب اللّه ) على المصحف ، فيتمّ التأويل المذكور . قال : لكن من تأمّل سياق الطرق المذكورة ، استبعد هذا الجمع . قال : وقد أجاب ابن الصّبّاغ ، بأنه لم يستقرّ عنده القطع بذلك ، ثم حصل الاتفاق بعد ذلك ، وحاصله أنّهما كانتا متواترتين في عصره ؛ لكنهما لم يتواترا عنده . انتهى . وقال ابن قتيبة في « مشكل القرآن » « 4 » : ظنّ ابن مسعود أنّ المعوّذتين ليستا من القرآن ؛ لأنه رأى النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم يعوّذ بهما الحسن والحسين ، فأقام على ظنّه ، ولا نقول : إنّه أصاب في ذلك وأخطأ المهاجرون والأنصار . قال : وأما إسقاطه الفاتحة من مصحفه ، فليس لظنه أنّها ليست من القرآن ، معاذ اللّه ! ولكنّه ذهب إلى أنّ القرآن إنّما كتب وجمع بين اللوحين مخافة الشكّ والنسيان والزيادة والنقصان ، ورأى أنّ ذلك مأمون في سورة الحمد ، لقصرها ووجوب تعلّمها على كلّ واحد . قلت : وإسقاطه الفاتحة من مصحفه ، أخرجه أبو عبيد بسند صحيح « 5 » ، كما تقدم في أوائل النوع التاسع عشر . التنبيه الثاني : قال الزركشيّ في البرهان « 6 » : القرآن والقراءات حقيقتان متغايرتان ، فالقرآن : هو الوحي المنزّل على محمد صلّى اللّه عليه وسلّم للبيان والإعجاز ، والقراءات اختلاف ألفاظ الوحي المذكور في الحروف أو كيفيتها ، من تخفيف وتشديد وغيرهما ، والقراءات السبع متواترة عند الجمهور .
--> ( 1 ) انظر كشف الأستار 3 / 86 ، والفتح 8 / 742 . ( 2 ) رواه مسلم ( 814 ) ، والنسائي 2 / 158 و 8 / 254 ، وأحمد 4 / 151 - 159 ، والترمذي ( 2902 ) ، وأبو داود ( 1462 ) ، والحاكم 2 / 540 ، والطبراني 17 / 286 ، وابن حبان ( 795 ) ، والبيهقي 2 / 394 . ( 3 ) في فتح الباري 8 / 743 . ( 4 ) مشكل القرآن ص 43 . ( 5 ) فضائل القرآن ص 189 - 190 وقد سبق . ( 6 ) البرهان 1 / 318 - 319 .