جلال الدين السيوطي

258

الإتقان في علوم القرآن

من تنسب إليه ؛ فإنّ القراءة المنسوبة إلى كل قراء من السبعة وغيرهم منقسمة إلى المجمع عليه والشاذّ ، غير أنّ هؤلاء السبعة لشهرتهم وكثرة الصحيح المجمع عليه في قراءتهم ، تركن النفس إلى ما نقل عنهم فوق ما ينقل عن غيرهم . ثم قال ابن الجزري « 1 » : فقولنا في الضّابط : ( ولو بوجه ) ، نريد به وجها من وجوه النحو ، سواء كان أفصح أم فصيحا ، مجمعا عليه أم مختلفا فيه اختلافا لا يضرّ مثله ، إذا كانت القراءات ممّا شاع وذاع ، وتلقّاه الأئمة بالإسناد الصحيح ؛ إذ هو الأصل الأعظم ، والركن الأقوم . وكم من قراءة أنكرها بعض أهل النّحو أو كثير منهم ؛ ولم يعتبر إنكارهم ، كإسكان : بارِئِكُمْ [ البقرة : 45 ] و يَأْمُرُكُمْ [ البقرة : 67 ] وخفض : وَالْأَرْحامَ [ النساء : 1 ] ونصب : لِيَجْزِيَ قَوْماً [ الجاثية : 14 ] والفصل بين المضافين في : قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ [ الأنعام : 137 ] وغير ذلك . قال الدّانيّ : وأئمة القراءة لا تعمل في شيء من حروف القرآن على الأفشى في اللغة والأقيس في العربية ، بل على الأثبت في الأثر ، والأصحّ في النقل ، وإذا ثبتت الرواية لم يردّها قياس عربية ولا فشوّ لغة ؛ لأنّ القراءة سنّة متّبعة ، يلزم قبولها والمصير إليها . قلت : أخرج سعيد بن منصور في سننه ، عن زيد بن ثابت قال : القراءة سنّة متّبعة « 2 » . قال البيهقي « 3 » : أراد اتّباع من قبلنا في الحروف سنّة متبعة ، لا يجوز مخالفة المصحف الّذي هو إمام ، ولا مخالفة القراءات الّتي هي مشهورة ، وإن كان غير ذلك سائغا في اللغة أو أظهر منها . ثم قال ابن الجزريّ « 4 » : ونعني بموافقة أحد المصاحف ما كان ثابتا في بعضها دون بعض ؛ كقراءة ابن عامر : وَقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ [ البقرة : 116 ] في البقرة بغير واو ، وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتابِ [ آل عمران : 184 ] بإثبات الباء فيهما ؛ فإنّ ذلك ثابت في المصحف الشاميّ ،

--> ( 1 ) النشر 1 / 10 . ( 2 ) رواه سعيد بن منصور ( 67 ) 2 / 260 ، والطبراني في المعجم الكبير ( 4855 ) ، والخطيب في الجامع ( 1596 ) ، والحاكم في المستدرك 2 / 224 ، وأبو عبيد في فضائل القرآن ص 218 ، وابن مجاهد في « السبعة في القراءات » ص 49 - 50 - 52 والبيهقي في سننه 20 / 285 ، وفي شعب الإيمان ( 2679 ) 2 / 548 . وسنده حسن إن شاء اللّه تعالى . ( 3 ) انظر سنن البيهقي 2 / 385 ، وشعب الإيمان 2 / 548 . وفضائل القرآن لأبي عبيد ص 218 ، والمرشد الوجيز ص 171 . ( 4 ) النشر 1 / 11 - 13 .