جلال الدين السيوطي

259

الإتقان في علوم القرآن

وكقراءة ابن كثير : تجري من تحتها الأنهار [ 100 ] في آخر براءة بزيادة ( من ) فإنّه ثابت في المصحف المكيّ ، ونحو ذلك ، فإن لم تكن في شيء من المصاحف العثمانية فشاذّ ، لمخالفتها الرسم المجمع عليه . وقولنا : ( ولو احتمالا ) نعني به : ما وافقه ولو تقديرا ك ( ملك يوم الدين ) ، فإنه كتب في الجميع بلا ألف ، فقراءة الحذف توافقه تحقيقا ، وقراءة الألف توافقه تقديرا ، لحذفها في الخطّ اختصارا كما كتب : ملك الملك [ آل عمران : 26 ] . وقد يوافق اختلاف القراءات الرسم تحقيقا ، نحو ( تعلمون ) بالتاء والياء و ( يغفر لكم ) بالياء والنون ، ونحو ذلك مما يدلّ تجرّده عن النقط والشكل في حذفه وإثباته على فضل عظيم للصحابة رضي اللّه عنهم في علم الهجاء خاصّة ، وفهم ثاقب في تحقيق كلّ علم . وانظر كيف كتبوا ( الصراط ) بالصاد المبدلة من السين ، وعدلوا عن السين التي هي الأصل لتكون قراءة السّين . وإن خالفت الرسم من وجه . قد أتت على الأصل ، فيعتدلان ، وتكون قراءة الإشمام محتملة ، ولو كتب ذلك بالسين على الأصل لفات ذلك . وعدّت قراءة غير السين مخالفة للرسم والأصل ؛ ولذلك اختلف في : « بصطة » [ الأعراف : 69 ] دون : بَصْطَةً [ البقرة : 247 ] ؛ لكون حرف البقرة كتب بالسين والأعراف بالصاد ، على أن مخالف صريح الرسم في حرف مدغم أو مبدل أو ثابت أو محذوف أو نحو ذلك لا يعدّ مخالفا إذا ثبتت القراءة به ، ووردت مشهورة مستفاضة ؛ ولذا لم يعدّوا إثبات ياء الزوائد ، وحذف ياء : فَلا تَسْئَلْنِي في الكهف [ 70 ] وواو : وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ [ المنافقون : 10 ] والظاء من بِضَنِينٍ [ التكوير : 24 ] ، ونحوه من مخالفة الرسم المردودة ، فإنّ الخلاف في ذلك مغتفر ، إذ هو قريب يرجع إلى معنى واحد ، وتمشّيه صحّة القراءة وشهرتها وتلقيها بالقبول ، بخلاف زيادة كلمة ونقصانها ، وتقديمها وتأخيرها ، حتى ولو كانت حرفا واحدا من حروف المعاني ، فإنّ حكمه في حكم الكلمة ، لا تسوغ مخالفة الرّسم فيه ، وهذا هو الحدّ الفاصل في حقيقة اتباع الرّسم ومخالفته . قال « 1 » : وقولنا : ( وصحّ سندها ) : نعني به : أن يروي تلك القراءة العدل الضابط عن مثله ، وهكذا حتى ينتهي ؛ وتكون مع ذلك مشهورة عند أئمة هذا الشأن ، غير معدودة عندهم من الغلط ، أو مما شذّ بها بعضهم . قال « 2 » : وقد شرط بعض المتأخّرين التّواتر في هذا الرّكن ، ولم يكتف بصحّة السند ، وزعم أنّ القرآن لا يثبت إلّا بالتواتر ، وأنّ ما جاء مجيء الآحاد لا يثبت به قرآن .

--> ( 1 ) النشر 1 / 13 . ( 2 ) النشر 1 / 13 .