جلال الدين السيوطي
247
الإتقان في علوم القرآن
قال : وإنّما خصّ أنس الأربعة بالذكر لشدّة تعلقه بهم دون غيرهم ، أو : لكونهم كانوا في ذهنه دون غيرهم . وقال القاضي أبو بكر الباقلاني « 1 » : الجواب عن حديث أنس من أوجه : أحدها : أنّه لا مفهوم له ، فلا يلزم ألّا يكون غيرهم جمعه . الثاني : المراد لم يجمعه على جميع الوجوه والقراءات الّتي نزل بها إلّا أولئك . الثالث : لم يجمع ما نسخ منه بعد تلاوته وما لم ينسخ إلّا أولئك . الرابع : أنّ المراد بجمعه تلقّيه من في رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لا بواسطة ، بخلاف غيرهم ، فيحتمل أن يكون تلقّى بعضه بالواسطة . الخامس : أنهم تصدّوا لإلقائه وتعليمه ، فاشتهروا به ، وخفي حال غيرهم عمن عرف حالهم ، فحصر ذلك فيهم بحسب علمه ، وليس الأمر في نفس الأمر كذلك . السادس : المراد بالجمع الكتابة ، فلا ينفي أن يكون غيرهم جمعه حفظا عن ظهر قلبه . وأما هؤلاء فجمعوه كتابة ، وحفظوه عن ظهر قلب . السابع : المراد أنّ أحدا لم يفصح بأنه جمعه . بمعنى أكمل حفظه . في عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلّا أولئك ، بخلاف غيرهم ، فلم يفصح بذلك ؛ لأنّ أحدا منهم لم يكمّله إلّا عند وفاة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حين نزلت آخر آية ؛ فلعلّ هذه الآية الأخيرة وما أشبهها ما حضرها إلّا أولئك الأربعة ممّن جمع جميع القرآن قبلها ، وإن كان قد حضرها من لم يجمع غيرها الجمع الكثير . الثامن : أنّ المراد بجمعه السمع والطاعة له ، والعمل بموجبه ، وقد أخرج أحمد في « الزّهد » من طريق أبي الزاهريّة ، أنّ رجلا أتى أبا الدرداء ، فقال : إن ابني جمع القرآن ، فقال : اللهمّ غفرا ، إنما جمع القرآن من سمع له وأطاع « 2 » . قال ابن حجر « 3 » : وفي غالب هذه الاحتمالات تكلّف ، ولا سيما الأخير . قال : وقد ظهر لي احتمال آخر ، وهو أنّ المراد إثبات ذلك للخزرج دون الأوس فقط ، فلا ينفي ذلك عن غير القبيلتين من المهاجرين ، لأنه قال ذلك في معرض المفاخرة بين الأوس والخزرج ، كما أخرجه ابن جرير من طريق سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن أنس قال : افتخر الحيّان : الأوس والخزرج ، فقال الأوس : منّا أربعة : من اهتزّ له العرش سعد بن معاذ ، ومن عدلت شهادته شهادة رجلين خزيمة بن ثابت ، ومن غسّلته الملائكة حنظلة بن أبي عامر ، ومن حمته الدّبر عاصم بن أبي ثابت .
--> ( 1 ) انظر فتح الباري 9 / 51 ، ولطائف الإشارات 1 / 47 - 48 ، والبرهان 1 / 242 - 243 . ( 2 ) رواه أبو عبيد في فضائل القرآن ص 62 - 63 ، وانظر الفتح 9 / 51 . ( 3 ) الفتح 9 / 51 - 52 .