جلال الدين السيوطي

221

الإتقان في علوم القرآن

وأخرج ابن أشتة في المصاحف من طريق إسماعيل بن عياش ، عن حبّان بن يحيى ، عن أبي محمد القرشيّ قال : أمرهم عثمان أن يتابعوا الطوال ، فجعلت سورة الأنفال وسورة التوبة في السّبع ، ولم يفصل بينهما ببسم اللّه الرحمن الرحيم . وذهب إلى الأوّل جماعة ، منهم القاضي في أحد قوليه . قال أبو بكر الأنباريّ « 1 » : أنزل اللّه القرآن كلّه إلى سماء الدنيا ، ثمّ فرّقه في بضع وعشرين ، فكانت السورة تنزل لأمر يحدث ، والآية جوابا لمستخبر ، ويوقف جبريل النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم على موضع الآية والسورة ، فاتّساق السّور كاتّساق الآيات والحروف ، كلّه عن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ، فمن قدّم سورة أو أخّرها فقد أفسد نظم القرآن . وقال الكرمانيّ في البرهان « 2 » : ترتيب السّور هكذا هو عند اللّه في اللّوح المحفوظ على هذا الترتيب ، وعليه كان صلّى اللّه عليه وسلّم يعرض على جبريل كلّ سنة ما كان يجتمع عنده منه ، وعرضه عليه في السنة التي توفّي فيها مرتين « 3 » ، وكان آخر الآيات نزولا : وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ [ البقرة : 281 ] فأمره جبريل أن يضعها بين آيتي الربا والدّين . وقال الطّيبيّ : أنزل القرآن أوّلا جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا ، ثم نزل مفرّقا على حسب المصالح ، ثم أثبت في المصاحف على التأليف والنظم المثبت في اللوح المحفوظ . قال الزركشيّ في البرهان « 4 » : والخلاف بين الفريقين لفظي ؛ لأنّ القائل بالثاني يقول : إنّه رمز إليهم بذلك ، لعلمهم بأسباب نزوله ومواقع كلماته ، ولهذا قال مالك : إنّما ألّفوا القرآن على ما كانوا يسمعونه من النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم . مع قوله بأنّ ترتيب السور باجتهاد منهم ، فآل الخلاف إلى أنه : هل هو بتوفيق قوليّ أو بمجرد استناد فعليّ ، بحيث بقي لهم فيه مجال للنظر . وسبقه إلى ذلك أبو جعفر بن الزبير . وقال البيهقيّ في المدخل « 5 » : كان القرآن على عهد النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم مرتّبا سوره وآياته على هذا الترتيب ، إلّا الأنفال وبراءة ، لحديث عثمان السابق « 6 » . ومال ابن عطية « 7 » إلى : أنّ كثيرا من

--> ( 1 ) نقله في البرهان 1 / 260 . ( 2 ) نقله في البرهان 1 / 259 . ( 3 ) سبق تخريجه . ( 4 ) البرهان 1 / 257 ، وانظر المناهل 1 / 291 . ( 5 ) انظر معنى كلامه في الدلائل 7 / 152 . ( 6 ) سبق تخريجه . ( 7 ) انظر المحرر الوجيز 1 / 50 .