جلال الدين السيوطي
189
الإتقان في علوم القرآن
وقال الراغب « 1 » : لا يقال لكلّ جمع : قرآن ، ولا لجمع كلّ كلام : قرآن . قال : وإنّما سمي قرآنا ؛ لكونه جمع ثمرات الكتب السالفة المنزّلة . وقيل : لأنه جمع أنواع العلوم كلها . وحكى قطرب قولا : إنّه إنّما سمّي قرآنا لأنّ القارئ يظهره ويبيّنه من فيه ، أخذا من قول العرب : ما قرأت النّاقة سلا قطّ ، أي : ما رمت بولد ، أي : ما أسقطت ولدا ، أي : ما حملت قطّ ، والقرآن يلفظه القارئ من فيه ويلقيه ، فسمّي قرآنا . قلت : والمختار عندي في هذه المسألة ما نصّ عليه الشافعي « 2 » . وأما الكلام : فمشتق من الكلم بمعنى التأثير ؛ لأنه يؤثر في ذهن السامع فائدة لم تكن عنده . وأمّا النور : فلأنّه يدرك به غوامض الحلال والحرام . وأما الهدى : فلأنّ فيه الدلالة على الحقّ ، وهو من باب إطلاق المصدر على الفاعل مبالغة . وأمّا الفرقان : فلأنه فرّق بين الحق والباطل ، وجّهه بذلك مجاهد ، كما أخرجه ابن أبي حاتم « 3 » . وأمّا الشّفاء : فلأنه يشفي من الأمراض القلبيّة : كالكفر والجهل الغلّ ، والبدنية أيضا . وأمّا الذّكر : فلما فيه من المواعظ وأخبار الأمم الماضية ، والذّكر أيضا الشرف ، قال تعالى : وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ [ الزخرف : 44 ] أي : شرف ، لأنه بلغتهم . وأمّا الحكمة : فلأنه نزل على قانون المعتبر من وضع كلّ شيء في محلّه ، أو لأنّه مشتمل على الحكمة . وأما الحكيم : فلأنّه أحكمت آياته بعجيب النظم وبديع المعاني ، وأحكمت عن تطرّق التبديل والتحريف والاختلاف والتباين . وأمّا المهيمن : فلأنّه شاهد على جميع الكتب والأمم السالفة . وأمّا الحبل : فلأنّه من تمسك به وصل إلى الجنّة أو الهدى . والحبل : السبب . وأما الصراط المستقيم : فلأنّه طريق إلى الجنّة ، قويم لا عوج فيه . وأما المثاني : فلأنّ فيه بيان قصص الأمم الماضية ، فهو ثان لما تقدمه .
--> ( 1 ) في المفردات ص 402 . ( 2 ) انظر بصائر ذوي التمييز 1 / 84 و 4 / 262 - 263 ، والتذكار للقرطبي ص 26 - 28 . ( 3 ) رواه ابن أبي حاتم في تفسيره 1 / 166 ، وانظر تفسير مجاهد 1 / 75 ، والدر المنثور 1 / 69 ، والبغوي 1 / 61 ، ومجاز القرآن 1 / 40 .