جلال الدين السيوطي

122

الإتقان في علوم القرآن

حكمهنّ في العدّة ، وارتاب : هل عليهنّ عدّة أو لا ؟ وهل عدّتهنّ كاللاتي في سورة البقرة أو لا ؟ فمعنى إِنِ ارْتَبْتُمْ إن أشكل عليكم حكمهن وجهلتم كيف يعتددن ؛ فهذا حكمهنّ . ومن ذلك : قوله تعالى : فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ [ البقرة : 115 ] . فإنّا لو تركنا ومدلول اللفظ لاقتضى أن المصلّي لا يجب عليه استقبال القبلة سفرا ولا حضرا ، وهو خلاف الإجماع ، فلما عرف سبب نزولها علم أنها في نافلة السفر ، أو فيمن صلّى بالاجتهاد وبان له الخطأ ؛ على اختلاف الروايات في ذلك . ومن ذلك : قوله : إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ [ البقرة : 158 ] ، فإنّ ظاهر لفظها لا يقتضي أنّ السّعي فرض . وقد ذهب بعضهم إلى عدم فرضيّته تمسّكا بذلك ، وقد ردّت عائشة على عروة في فهمه ذلك بسبب نزولها ، وهو أنّ الصحابة تأثّموا من السّعي بينهما لأنّه من عمل الجاهليّة ، فنزلت « 1 » . ومنها : دفع توهّم الحضر : قال الشافعيّ ما معناه في قوله تعالى : قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً الآية [ الأنعام : 145 ] : إنّ الكفّار لما حرّموا ما أحلّ اللّه وأحلّوا ما حرّم اللّه ، وكانوا على المضادّة والمحادّة ، فجاءت الآية مناقضة لغرضهم ، فكأنّه قال : لا حلال إلّا ما حرّمتموه ، ولا حرام إلّا ما أحللتموه ، نازلا منزلة من يقول : لا تأكل اليوم حلاوة ، فتقول : لا آكل اليوم إلّا الحلاوة ، والغرض المضادّة لا النفي والإثبات على الحقيقة ، فكأنه تعالى قال : لا حرام إلّا ما أحللتموه ، من الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهلّ لغير اللّه به ، ولم يقصد حلّ ما وراءه ؛ إذ القصد إثبات التحريم لا إثبات الحلّ . قال إمام الحرمين : وهذا في غاية الحسن ، ولولا سبق الشافعيّ إلى ذلك لما كنّا نستجيز مخالفة مالك في حصر المحرّمات فيما ذكرته الآية « 2 » . ومنها : معرفة اسم النازل فيه الآية وتعيين المبهم فيها ، ولقد قال مروان في عبد الرحمن بن أبي بكر : إنّه الذي أنزل فيه : وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما [ الأحقاف : 17 ] حتى ردّت

--> - قلت : سنده ضعيف ، فيه : 1 . عمرو بن سالم : مقبول ، كما في التقريب 2 / 449 ولعل الصواب أنه ثقة كما قال الذهبي في الكاشف 3 / 315 ، وقد وثقه ابن حبان وأبو داود . لما سأله الآجري ، وانظر التهذيب 12 / 162 . 163 . 2 . عمرو بن سالم : لم يدرك أبيا . كما قال أبو حاتم . انظر جامع التحصيل ص 243 ، والتهذيب 12 / 162 . ( 1 ) رواه البخاري ( 4568 ) ، ومسلم ( 2778 ) ، وأحمد 1 / 298 ، والترمذي ( 3014 ) ، والنسائي في سننه الكبرى ، ( 11086 ) 6 / 318 ، والحاكم 2 / 299 ، وابن جرير في تفسيره 4 / 138 ، والطبراني في المعجم الكبير ( 10730 ) ، والواحدي في أسباب النزول ص 136 . 138 . ( 2 ) انظر الإكليل ص 102 ، والبرهان 1 / 23 . 24 ، ومناهل العرفان 1 / 105 .