جلال الدين السيوطي
123
الإتقان في علوم القرآن
عليه عائشة وبيّنت له سبب نزولها « 1 » . المسألة الثانية : اختلف أهل الأصول : هل العبرة بعموم اللفظ أو بخصوص السّبب ؟ والأصحّ عندنا : الأوّل ، وقد نزلت آيات في أسباب ، واتفقوا على تعديتها إلى غير أسبابها ، كنزول آية الظّهار في سلمة بن صخر ، وآية اللّعان في شأن هلال بن أميّة ، وحدّ القذف في رماة عائشة ، ثم تعدّى إلى غيرهم . ومن لم يعتبر عموم اللفظ قال : خرجت هذه الآيات ونحوها لدليل آخر ، كما قصرت آيات على أسبابها اتفاقا لدليل قام على ذلك . قال الزمخشريّ « 2 » في سورة الهمزة : يجوز أن يكون السّبب خاصا والوعيد عامّا ، ليتناول كلّ من باشر ذلك القبيح ؛ وليكون ذلك جاريا مجرى التعريض . قلت : ومن الأدلّة على اعتبار عموم اللفظ : احتجاج الصحابة وغيرهم في وقائع بعموم آيات نزلت على أسباب خاصة ، شائعا ذائعا بينهم . قال ابن جرير « 3 » : حدّثني محمد بن أبي معشر ، أخبرنا أبي أبو معشر نجيح ، سمعت سعيدا المقبريّ يذاكر محمد بن كعب القرظيّ ، فقال سعيد : إنّ في بعض كتب اللّه : إنّ لله عبادا ألسنتهم أحلى من العسل ، وقلوبهم أمرّ من الصّبر ، لبسوا لباس مسوك الضأن من الليّن ، يجترّون الدنيا بالدين . فقال محمد بن كعب : هذا في كتاب اللّه : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا الآية [ البقرة : 204 ] . فقال سعيد : قد عرفت فيمن أنزلت ؟ فقال محمد بن كعب : إنّ الآية تنزل في الرجل ثم تكون عامة بعد . فإن قلت : فهذا ابن عباس ، لم يعتبر عموم : لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ الآية . [ آل عمران : 188 ] . بل قصرها على ما أنزلت عليه من قصّة أهل الكتاب .
--> ( 1 ) قالت عائشة ردّا عليه : واللّه ما نزل في آل أبي بكر شيء من القرآن إلا براءتي . ويبطل ذلك قطعا قوله تعالى : أُولئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ لأنّ عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق أسلم وكان من خيار المسلمين ، وكان له في الجهاد شأن عظيم . انظر البحر المحيط 8 / 61 ، وتفسير أبي السعود 8 / 84 . ( 2 ) في الكشاف 4 / 283 . ( 3 ) في تفسيره 2 / 313 . قلت : سنده ضعيف ، فيه . 1 . أبو معشر : نجيح بن عبد الرحمن : ضعيف ، أسنّ واختلط ، انظر الكاشف 2 / 175 ، والتقريب 2 / 298 ، والتهذيب 10 / 419 . 422 .