جلال الدين السيوطي

121

الإتقان في علوم القرآن

ومنها : الوقوف على المعنى وإزالة الإشكال : قال الواحديّ « 1 » : لا يمكن تفسير الآية دون الوقوف على قصّتها وبيان نزولها . وقال ابن دقيق العيد : بيان سبب النزول طريق قويّ في فهم معاني القرآن . وقال ابن تيميّة « 2 » : معرفة سبب النزول يعين على فهم الآية ، فإنّ العلم بالسبب يورث العلم بالمسبّب . وقد أشكل على مروان بن الحكم معنى قوله تعالى : لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا الآية [ آل عمران : 188 ] . وقال : لئن كان كلّ امرئ فرح بما أوتي ، وأحبّ أن يحمد بما لم يفعل معذّبا ، لنعذّبنّ أجمعون ، حتى بيّن له ابن عباس : أنّ الآية نزلت في أهل الكتاب حين سألهم النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم عن شيء ، فكتموه إيّاه ، وأخبروه بغيره ، وأروه أنّهم أخبروه بما سألهم عنه ، واستحمدوا بذلك إليه . أخرجه الشيخان « 3 » . وحكي عن عثمان بن مظعون وعمرو بن معدي كرب : أنّهما كانا يقولان : الخمر مباحة ، ويحتجان بقوله تعالى : لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا الآية [ المائدة : 93 ] . ولو علما سبب نزولها لم يقولا ذلك ، وهو : أنّ ناسا قالوا لمّا حرّمت الخمر : كيف بمن قتلوا في سبيل اللّه وماتوا وكانوا يشربون الخمر وهي رجس ؟ فنزلت . أخرجه أحمد والنسائي وغيرهما « 4 » . ومن ذلك : قوله تعالى : وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ [ الطلاق : 4 ] فقد أشكل معنى هذا الشرط على بعض الأئمة ، حتى قال الظاهرية : بأن الآيسة لا عدّة عليها إذا لم ترتب . وقد بين ذلك سبب النزول ، وهو أنّه لما نزلت الآية التي في سورة البقرة في عدد النساء ، قالوا : قد بقي عدد من عدد النساء لم يذكرن : الصغار والكبار ، فنزلت . أخرجه الحاكم عن أبيّ « 5 » . فعلم بذلك أنّ الآية خطاب لمن لم يعلم ما

--> ( 1 ) أسباب النزول للواحدي ص 8 . ( 2 ) مقدمة في أصول التفسير لشيخ الإسلام ص 72 . ( 3 ) رواه البخاري ( 4568 ) ، ومسلم ( 2778 ) ، والترمذي ( 3014 ) ، والنسائي في الكبرى ، في كتاب التفسير ( 106 ) 1 / 352 . 353 ، وأحمد 1 / 298 ، والحاكم 2 / 299 ، وابن جرير في تفسيره 4 / 138 ، وعبد الرزاق في تفسيره 1 / 141 . 142 ، والطبراني في المعجم الكبير ( 10730 ) ، والواحدي في أسباب النزول ص 136 . 138 ، والبغوي في تفسيره 1 / 384 . وانظر الدر المنثور 2 / 108 . ( 4 ) روى هذا السبب الترمذي ( 3050 . 3051 ) ، وابن جرير 7 / 25 ، والطيالسي ( 715 ) ، وابن حبان ( 5350 . 5351 ) ، وأبو يعلى ( 1719 . 1720 ) ، والواحدي في أسباب النزول ص 209 . 210 ، والبيهقي في شعب الإيمان ( 5619 ) 5 / 17 وزاد نسبته في الدر المنثور 2 / 320 لعبد بن حميد ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، وأبي الشيخ ، وابن مردويه . ( 5 ) رواه الحاكم في المستدرك 2 / 492 . 493 وصححه ، ووافقه الذهبي .