الشنقيطي
72
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
وقال القرطبي : الكل محتمل ، وكله مراد ، والذي يظهر واللّه تعالى أعلم : أن ذلك إنما هو بعامة الناس ويكون يوم القيامة ، إذ السياق في أصول البعث ، إذا السماء انشقت ، وإذا الأرض مدت ، فأما من أوتي كتابه بيمينه وذكر الحساب المنقلب ، ثم التعبير بالمستقبل لتركبن ، ولو كان لأمر الدنيا من تغير الأحوال لكان أولى به الحاضر أو الماضي ، وإن كان من المستقبل ما سيأتي من الزمن لكنه ليس بجديد ، إذ تقلب الأحوال في شأن الحياة أمر مستقر في الأذهان ، ولا يحتاج إلى هذا الأسلوب . أما أمور الآخرة من بعث ، وحشر ، وعرض ، وميزان وصراط وتطاير كتب ، واختلاف أحوال الناس باختلاف المواقف ، في عرصات القيامة فهي الحرية بالتنبيه عليها والتحذير منها والعمل لأجلها في كدحه إلى ربه ، فلذا جاء بذلك وهو مشعر باستمرار حالة الإنسان بعد الكدح إلى حالات متعددة ودرجات متفاوتة . ولو اعتبرنا حال المقسم به من حيث تطور الحال من شفق أو آخر ضوء الشمس ثم ليل ، وما جمع وغطى بظلامه ، ثم قمر يبدأ هلالا إلى اتساق نوره ، لكان انتقالا من تغير حركات الزمن إلى تغير أحوال الإنسان قطعا ، وأن القادر على ذلك في الدنيا قادر على ذلك في الآخرة . قوله تعالى : إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ( 25 ) [ 25 ] . قيل : المن : القطع والنقص ، ومنه قول الشاعر : لمعفر قهد تناثر شلوه * غبس كواسب ما يمن طعامها والقهد : ضرب من الضأن تعلوه حمرة صغيرة آذانه ، والكواسب : الوحوش ، أي ذئاب أو سباع لا ينقطع طعامها . وقال القرطبي « 1 » : مننت الحبل إذا قطعته . وسأل نافع بن الأزرق ، ابن عباس عنها فقال : غير مقطوع ، فقال هل تعرف ذلك العرب ؟ قال : نعم ، قد عرفه أخو يشكر ، حيث يقول : فترى خلفهن من سرعة الرج * ع منينا كأنه أهباء
--> ( 1 ) الجامع لأحكام القرآن 19 / 282 .