الشنقيطي
71
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
أما ما ذكره القرطبي ففيه نظر ، أي من جهة عدم غياب البياض ، فإن المعروف عند علماء الفلك أن بين الأحمر والأبيض مقدار درجتين ، والدرجة تعادل أربع دقائق ، وعليه فالفرق بسيط ، واللّه تعالى أعلم . وقوله : وَاللَّيْلِ وَما وَسَقَ [ الانشقاق : 17 ] ، هو الجمع والضم للشيء الكثير ، ومنه سمي الوسق بمقدار معين من مكيل الحب ، وهو ستون صاعا . وقيل : فيه معان أخرى ، ولكن هذا أرجحها . والمعنى هنا : والليل وما جمعه من المخلوقات . قيل : كأنه أقسم بكل شيء كقوله تعالى : فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ ( 38 ) وَما لا تُبْصِرُونَ [ الحاقة : 38 - 39 ] . وقوله : وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ ، أي اتسع أي تكامل نوره ، وهو افتعل من وسق ، والقاعدة الصرفية أن فاء الفعل المثالي ، أي الذي فاؤه واو ، إذا بنى على افتعل تقلب الواو تاء وتدغم التاء في الثاء ، كل في : وصلته فاتصل ووزنته فاتزن ، أو تصل أو تزن ، وهكذا هنا أو تسق . وقوله : لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ . قال ابن جرير : اختلف القراء في قراءته ، فقرأه عمر بن الخطاب وابن مسعود وأصحابه وابن عباس وعامة قراء مكة والكوفة لتركبن بفتح التاء والباء ، واختلف قارؤوا ذلك في معناه ، فقال بعضهم : يعني يا محمد ، ويعني حالات الترقي والعلو والشدائد مع القوم ، وهذا المعنى عن مجاهد وابن عباس . وقيل : طبقا عن طبق : يعني سماء بعد سماء ، أي طباق السماء ، وهو عن الحسن وأبي العالية ومسروق . وعن ابن مسعود : أنها السماء تتغير أحوالها تتشقق بالغمام ، ثم تحمر كالمهل ، إلى غير ذلك . وقد رجح القراءة الأولى والمعنى الأول . وقرأ عامة قراء المدينة وبعض الكوفيين : لتركبن بالتاء وبضم الباء على وجه الخطاب للناس كافة . وذكر المفسرون لمعناه حالا بعد حال معان عديدة طفولة وشبابا وشيخوخه ، فقرا وغنى ، وقوة وضعفا ، حياة وموتا وبعثا ، رخاء وشدة ، إلى كل ما تحتمله الكلمة .